وبعد، فإن للحياة تقاليدها، وإن لسياسة الشعوب أسرارها، كما أن للصراحة محامدها، وللمداراة ضرورتها، وأنعم بمن يضع الأمور في مواضعها، ويزن المواقف بميزانها، ويطب لكل حاجة دواءها وعلاجها. (13) مذهب المأمون الديني
أما مذهب المأمون الديني أو السياسي إن شئت، وهل كان يميل للفرس حقا ويؤثرهم على غيرهم من العرب في خدمة الدولة، وهل كان شيعيا علويا، أو معتدلا في التشيع أو معتزليا؟ فهذا باب يستفيض القول في شتى نواحيه وتزدحم معانيه؛ لاختلاف وجهات النظر فيه، ولعلك تبينت مما كتبناه عن المأمون السياسي بعض ما يساعدك على تفهم مذهبه الديني.
ولما كنا قد أرجأنا الكلام في موضوع المحنة والقول بخلق القرآن إلى قسم العلوم والآداب، فنحن نلفت النظر هنا إلى ذلك.
بيد أنا نرى من واجبنا أن نشير هنا إلى أن المأمون كان محوطا بشيوخ الاعتزال والكلام، أمثال ثمامة بن أشرس ويحيى بن المبارك وغيرهما، ويجوز لنا أن نفترض أن المأمون قد أخذ مذهب الاعتزال من يحيى بن المبارك مؤدبه، فإن ياقوتا الرومي قد ذكر عنه - في الجزء السابع من معجمه - أنه كان يتهم بالميل إلى الاعتزال، فلا يستبعد إذن، وصلته بالمأمون صلة الأستاذ بتلميذه، أن يكون المأمون قد تأثر بميله خصوصا، أنه اتصل به منذ صباه في أيام الرشيد، وكذلك كان محوطا بشيوخ آخرين لهم آثارهم ومكانتهم في الدولة مثل يحيى بن أكثم وغير يحيى بن أكثم.
وكان على ذلك متأثرا بما ترجم من أخلاقيات فلاسفة اليونان وعلومهم، وآداب الفرس وفنونهم، كما كان، إلى حد غير قليل، تحت سلطان الفرس ووزرائهم أمثال الفضل بن سهل، وكان يحسب للعلويين حسابهم، وللعباسيين حسابهم، فلا غرو إذن أن يكون لكل هذه العوامل أثر غير قليل في تكييف مزاجه الديني، وقد يفتر بعض هذه العوامل حينا وقد يشتد حينا آخر طبقا للأحوال.
هذا هو رأينا في مذهبه الديني أو السياسي على وجه عام، على أن هذا لا يمنعنا، وقد اتخذنا لأنفسنا خطة الحيدة في تدوين التاريخ من أن نثبت آراء القدماء فيه، وأن نذكر طرفا مما جاء منها في هذا الصدد.
قال ابن الأثير في كامله: «قال أبو العباس أحمد بن عبد الله بن عمار: كان المأمون شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم، وخبره مشهور معهم، وكان يفعل ذلك طبعا لا تكلفا، فمن ذلك أنه توفي في أيامه يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين العلوي، فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن والكآبة ما تعجبوا منه، ثم إن ولدا لزينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وهي ابنة عم المنصور، توفي بعده، فأرسل له المأمون كفنا وسير أخاه صالحا ليصلي عليه ويعزي أمه، فإنها كانت عند العباسيين بمنزلة عظيمة، فأتى إليها وعزاها عنه، واعتذر عن تخلفه عن الصلاة عليه، فظهر غضبها وقالت لابن ابنها: تقدم فصل على أبيك، وتمثلت:
سبكناه ونحسبه لجينا
فأبدى الكير عن خبث الحديد
ثم قالت لصالح: قل له: يا ابن مراجل، أما لو كان يحيى بن الحسين بن زيد لوضعت ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته.»
ثم تعال معي نتدبر ما يرويه لنا التغلبي أحد المعاصرين، قال: سمعت
12
يحيى بن أكثم يقول: أمرني المأمون عند دخوله بغداد أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من أهل بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلا وأحضرتهم، وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم، فلما انقضى ذلك المجلس الذي جعلناه للنظر في أمر الدين، قال المأمون: يا أبا محمد، كره هذا المجلس الذي جعلناه للنظر طوائف من الناس بتعديل أهوائهم وتزكية آرائهم، فطائفة عابوا علينا ما نقول في تفضيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وظنوا أنه لا يجوز تفضيل علي إلا بانتقاص غيره من السلف، والله ما أستجيز أن أنتقص الحجاج! فكيف السلف الطيب؟! وإن الرجل ليأتيني بالقطيعة من العود أو بالخشبة أو بالشيء الذي لعل قيمته لا تكون إلا درهما أو نحوه فيقول: إن هذا كان للنبي