وكان سياسيا فذا، في مداراته عماله، وليس أدل على ذلك من تصرفه مع إبراهيم بن السندي صاحب الأخبار وقد رفع إليه خبرا عن حادثة بمصر، فكذبه عبد الله بن طاهر، فعنف المأمون السندي آلم التعنيف أمام ابن طاهر، ثم بعث إليه وقال له: «إني آمر وأداري عمالي وعمالهم مداراة الخائف، والله ما أجد إلى حملهم على المحجة البيضاء سبيلا، فاعمل لي على حسب ما تراني أعمل، ولن لهم تسلم لك أيامك، ويغض دينك».
وكان سياسيا فذا حينما رفع إليه صاحب خبره: «إنا أصبنا يا أمير المؤمنين رقاعا فيها كلام السفهاء والسفلة، وفيها تهديد ووعيد، وبعضها عندنا محفوظ إلى أن يأمر أمير المؤمنين فيها بأمره، فكتب المأمون بخطه: «هذا أمر إن أكبرناه كثر غمنا به، واتسع علينا خرقه، فمر أصحاب أخبارك متى وجدوا من هذه الرقاع رقعة أن يمزقوها قبل أن ينظروا فيها، فإنهم إذا فعلوا ذلك لم ير لها أثر ولا عين» ففعلوا ذلك فكان الأمر كما قال.»
وتعال ننظر نظرة تحليلية قصيرة فيما يرويه لنا زيد بن علي بن الحسين قال: «لما كان في العيد، بعد قدوم المأمون سنة أربع ومائتين، والمأمون يتغدى وعلى مائدته طاهر بن الحسين، وسعيد بن سلم، وحميد بن عبد الحميد، وعلى رأسه سعيد الخطيب وهو يقرظه ويذكر مناقبه ويصف سيرته ومجلسه، إذ انهملت عينا المأمون بالدموع، فرفع يده عن الطعام، فأمسك القوم حين رأوه بتلك الحال حتى إذا كف قال لهم: كلوا، قالوا: يا أمير المؤمنين، وهل نسيغ طعاما أو شرابا وسيدنا بهذه الحال، قال: أما والله ما ذلك من حدث ولا لمكروه هممت به بأحد، ولكنه جنس من أجناس الشكر لله لعظمته، وذكر نعمته التي أتمها علي، كما أتمها علي أبوي من قبلي، أما ترون ذلك الذي في صحن الدار، يعني الفضل بن الربيع - قال: وكانت الستور قد رفعت ووضعت الموائد للناس على مراتبهم، وكان يجلس الفضل مع أصحاب الحرس - وكان في أيام الرشيد وحاله حاله، يراني بوجه أعرف فيه البغضاء والشنآن، وكان له عندي كالذي لي عنده، ولكني كنت أداريه خوفا من سعايته وحذرا من أكاذيبه، فكنت إذا سلمت عليه فرد علي أظل لذلك فرحا وبه مبتهجا، وكان صغوه إلى المخلوع فحمله على أن أغراه بي ودعاه إلى قتلي، وحرك الآخر ما يحرك القرابة والرحم الماسة فقال: أما القتل فلا أقتله، ولكني أجعله بحيث إذا قال لم يطع، وإذا دعا لم يجب، فكان أحسن حالاتي عنده أن وجه مع علي بن عيسى قيد فضة بعدما تنازعا في الفضة والحديد ليقيدني به، وذهب عنه قول الله جل وعز:
ثم بغي عليه لينصرنه الله
فذاك موضعه من الدار بأخس مجالسها وأدنى مراتبها، وهذا الخطيب على رأسي، وكان بالأمس يقف على هذا المنبر الذي بإزائي مرة، وعلى المنبر الغربي أخرى، فيزعم أني المأفون ولست بالمأمون، ثم هو الساعة يقرظني تقريظه المسيح ومحمدا عليهما السلام، فقال طاهر بن الحسين: يا سيدنا، فما عندنا فيهما وقد أباحك الله إراقة دمائهما فحصنتهما بالعفو والحلم! قال: فعلت ذلك لموضع العفو من الله، ثم قال المأمون: مدوا أيديكم إلى طعامكم، فأكل وأكلوا.»
ألا يسوغ لنا أن نستنبط مما قدمناه لك أن المأمون كان سياسيا ذهنا، حاذقا في تصرفه مع الفضل؟ ألم يكن للفضل مكانة عند الرشيد ونفوذ بعيد المدى في الدولة؟ ألا يجوز أن سعايته بالمأمون وأكاذيبه عليه، إن لم يداره، تجد آذانا مصغية، وأنها قد تجر عليه من الشرور ما ليس في حاجة إليه؟
ألم يكن خير سبيل لاتقاء شانئته أن يداريه عملا بقول أبي الدرداء : «إنا لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم.»
فهل ترى سياسة أحكم وبصرا بالأمور أتم من تصرف المأمون ومداراته؟ ثم انظر ما كان من مداراته للفضل بن سهل، كما صرح بذلك لولي عهده علي بن موسى الرضا، ومداراته لطاهر بن الحسين قاتل أخيه، وما كان من تصرفاته مع الوفود الأمينية؛ تؤمن معنا أن المأمون كان سياسيا، ولعل لاطلاعه على ما ترجم من المؤلفات اليونانية والفارسية مع استعداده الخاص ونزوعه إلى البحوث الكلامية عامة، وحبه للمشاورة واكتنافه بالرءوس المفكرة الناضجة، لعل لهذا وأمثاله الفضل في تكوين المأمون على ما رأيت وتخريجه على ما شاهدت.