وانظر إلى حلاوته في بلاغته، وفراهته في طلاوته، ومتانته في عبارته حين نصح لابنه العباس فقال له: ينبغي يا بني لمن أسبغ الله عليه نعمه، وشركه في ملكه وسلطانه، وبسط له في القدرة أن ينافس في الخير بما يبقى ذكره، ويجب أجره، ويرجى ثوابه، وأن يجعل همته في عدل ينشره، أو جور يدفنه، وسنة صالحة يحييها أو بدعة يميتها، أو مكرمة يعتقدها، أو صنيعة يسديها، أو يد يودعها ويوليها، أو أثر محمود يتبعه.
ويقول لنا الجاحظ في البيان والتبيين: كان سهل بن هارون شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة والجهارة، وبالحلاوة والفخامة، وجودة اللهجة والطلاوة.
ويقول ثمامة بن أشرس النميري: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون.
وإن فيما ذكره ابن الجوزي والعاملي وغيرهما في طرب المأمون للطرف واللغة، لمما يثبت بصره بالأدب وحذقه للغة، وتمكنه في النحو، وإنا نختتم كلمتنا هذه بما قاله المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم؛ فإنها في السماك بلاغة ودقة معنى، وحلاوة أسلوب، وسمو سجايا، وحسن تدبير، ونضوج دربة، ولا يقولها إلا من كان إلى جانب ما وصفناه حمال أعباء نهاضا
10
ببزلاء، قصيا مرمى همته، رفيعا مناط عزمته، وهي مع كل ذلك من عفو الخاطر ونتاج البديهة.
قال: اعتبروا في علو الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي، إنهم والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلا بأنفسهم، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير، وكان قليل ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار، فترفعوا عن دناءة الهمة، وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير، واستكفوا الثقات، وكونوا مثل كرام السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش، بل بجليلها وكبارها، واعلموا أن أقدامكم إن لم تتقدم بكم، فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئا ما لم تعطوه حقه، وأنشده:
نحن الذين إذا تخمط عصبة
من معشر كنا لها أنكالا
ونرى القروم مخالة لقرومنا
قبل اللقاء تقطر الأبوالا
نرد المنية لا نخاف ورودها
تحت العجاجة والعيون تلالا
نعطي الجزيل فلا نمن عطاءنا
قبل السؤال ونحمل الأثقالا
وإذا البلاد على الأنام تزلزلت
كنا لزلزلة البلاد جبالا
وبعد، فشد ما يروق الرعية تبريز ولاتها في البلاغة والبيان، وشد ما يثلج الأفئدة ويقر العيون تملكهم لأعنة القول، واطلاعهم على الغرر والملح وتشجيعهم لذوي الإحسان.
وجميل جدا أن تنشر الكفايات، وأن يتخذ الولاة من كلمة المأمون: «إن وزرائي والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلا بأنفسهم.» سنة يترسمونها، وقاعدة يتبعونها، وحكمة يذيعونها لترتفع النفوس، وتسمو النزعات، ولينال الإحسان أهل الإحسان. (10) علم المأمون
كان المأمون وافر العلم غزير الاطلاع، وليس ذلك بعزيز على خليفة ملأ عصره بأنواع المعارف الإنسانية، ونفخ فيه من روحه القوي حتى استطاع الباحث أن يسمه بسمته، وأن يرجع فضل الحضارة العباسية إليه.
ولكن المأمون في علمه وثقافته لم يقف عند حد الثقافة الذاتية، وإنما وجه حرصه إلى أن يثير في نفوس أصحابه كوامن الرغبة إلى التعمق في الدرس، والشوق إلى إدراك حقائق الأشياء، وكانت له في ذلك طريقه معروفة هي توجبه السمر والحديث إلى فنون العلم وضروب العرفان، فكان حديث الليل وحديث المائدة يفتح لجلسائه أبوابا من القول ما كانت تخطر لهم ببال.
قال جعفر بن محمد الأنماطي: إن المأمون لما دخل بغداد وقر بها قراره، وأمر أن يدخل عليه من الفقهاء والمتكلمين وأهل العلم جماعة يختارهم لمجالسته ومحادثته، وكان يقعد في صدر نهاره على لبود في الشتاء وعلى حصر في الصيف ليس معها شيء من سائر الفرش، ويقعد للمظالم في كل جمعة مرتين لا يمتنع منه أحد، قال: واختير له من الفقهاء لمجالسته مائة رجل، فما زال يختارهم طبقة بعد طبقة حتى حصل منهم عشرة، كان أحمد بن أبي دواد أحدهم، وبشر المريسي. قال جعفر بن محمد الأنماطي: وكنت أحدهم، قال: فتغدينا يوما عنده، فظننت أنه وضع على المائدة أكثر من ثلاثمائة لون، فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا يصلح لكذا، وهذا نافع لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فليجتنب هذا، ومن كان صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فليأكل من هذا، ومن أحب الزيادة في لحمه فليأكل من هذا، ومن كان قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا، قال: فوالله إن زالت تلك حاله في كل لون يقدم حتى رفعت الموائد، قال: فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته! أو في النجوم كنت هرمس في حسابه! أو الفقه كنت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في علمه! أو ذكرنا السخاء فأنت فوق حاتم في جوده! أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر في صدق لهجته! أو الكرم كنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه! قال: فسر بذلك الكلام وقال: يا أبا محمد، إن الإنسان إنما فضل على غيره من الهوام بفعله وعقله وتمييزه، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم، وإنك إذا قلت: إن يحيى بن أكثم قد بالغ في تحليل المأمون وغلا في صفته، فأنا معك في ذلك، ولكنني ألاحظ أن هذا الغلو لا يخلو من أثارة من حق وصدق.