تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما الدنيا أبو دلف

بين مبداه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلف

ولت الدنيا على أثره

وإلى قولي فيك:

لولا حميد لم يكن

حسب يعد ولا نسب

يا واحد العرب الذي

عزت بعزته العرب

ثم انظر سعة عطفه وكثير تسامحه وما جبلت عليه نفسه من العفو والحلم فيما رواه أحد قرابة دعبل الشاعر حيث قال: إن دعبلا هجا المأمون بقوله:

أيسومني المأمون خطة عاجز

أوما رأى بالأمس رأس محمد

يوفي على هام الخلائف مثلما

توفي الجبال على رءوس القردد

7

ويحل في أكناف كل ممنع

حتى يذلل شاهقا لم يصعد

إن التراث مسهد طلابها

فاكفف لعابك عن لعاب الأسود

فلم يتقدم المأمون بإيذاء دعبل، وكل ما فعل أن قال: هو يهجو أبا عباد ولا يهجروني. يريد حدة أبي عباد.

وكان بصيرا بأخبار العرب واقفا على تاريخ مجاويدهم وغطاريفهم؛ فقد ذكر عمارة بن عقيل قال: قال لي المأمون يوما وأنا أشرب عنده: ما أخبثك يا أعرابي! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وهمتني نفسي، قال: كيف قلت:

قالت مفداة لما أن رأت أرقى

والهم يعتاده من طيفه لمم

نهبت مالك في الأدنين آصرة

وفي الأباعد حتى حفك العدم

فاطلب إليهم ثرى ما كنت من حسن

تسدي إليهم فقد باتت لهم صرم

8

فقلت عذلك قد أكثرت لأئمتي

ولم يمت حاتم هزلا ولا هرم

فقال لي المأمون: أين رميت بنفسك إلى هرم بن سنان سيد العرب وحاتم الطائي؟ فعلا كذا وفعلا كذا، وأقبل ينثال

9

علي بفضلهما، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا خير منهما، أنا مسلم وكانا كافرين، وأنا رجل من العرب.

ثم انظر بلاغته ومتانة عبارته في مشافهاته ومبادهاته؛ فقد روى إبراهيم بن عيسى قال: لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاما مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلت بين يديه قلت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين في أدوم العز وأسبغ الكرامة، وجعلني من كل سوء فداه، إن من أمسى وأصبح يتعرف من نعمة الله - له الحمد كثيرا - عليه برأي أمير المؤمنين أيده الله فيه، وحسن تأنيسه له، حقيق بأن يستديم هذه النعمة، ويلتمس الزيادة فيها، بشكر الله، وشكر أمير المؤمنين - مد الله في عمره - عليها، وقد أحب أن يعلم أمير المؤمنين، أيده الله، أني لا أرغب بنفسي عن خدمته، أيده الله، بشيء من الخفض والدعة؛ إذ كان هو، أيده الله، يتجشم خشونة السفر ونصب الظعن، وأولى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا؛ لما عرفني الله من رأيه، وجعل عندي من طاعته، ومعرفة ما أوجب الله من حقه، فإن رأى أمير المؤمنين، أكرمه الله، أن يكرمني بلزوم خدمته والكينونة معه فعل.

فقال لي المأمون مبتدئا من غير تروية: لم يعزم أمير المؤمنين في ذلك على شيء، وإن استصحب أحدا من أهل بيتك بدأ بك وكنت المقدم عنده في ذلك، ولا سيما إذ أنزلت نفسك بحيث أنزلك أمير المؤمنين من نفسه، وإن ترك ذلك فمن غير قلى لمكانك ولكن بالحاجة إليك، قال إبراهيم: فكان والله ابتداؤه أكثر من ترويتي.

قال أبو العتاهية: وجه إلي المأمون يوما فصرت إليه، فألفيته مطرقا مفكرا، فأحجمت عن الدنو منه في تلك الحال، فرفع رأسه فنظر إلي وأشار بيده أن ادن فدنوت، ثم أطرق مليا ورفع رأسه فقال: يا أبا إسحاق، شأن النفس الملل، وحب الاستطراف، تأنس بالوحدة كما تأنس بالألفة، قلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت، قال: ما هو؟ قلت:

لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة

إلا التنقل من حال إلى حال

ثم انظر إلى بلاغة المأمون التي كانت سليقة فيه وإن نزلت بساحته الهموم والفوادح؛ فقد ذكر المؤرخون أنه أصيب بابنة له كان يجد عليها وجدا شديدا، فجلس وأمر أن يؤذن لمن بالباب، فدخل عليه العباس بن الحسن العلوي فقال له: يا أمير المؤمنين، إنا لم نأتك معزين، ولكن أتيناك مقتدين، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن لساني ينطلق بمدحك غائبا، وأحب أن يتزيد عنك حاضرا، أفتأذن فأقول، قال المأمون: قل فإنك تقول فتحسن، وتشهد فتزين، وتغيب فتؤتمن، فقال العباس له - وصدق فيما يقول: يا أمير المؤمنين، ما أقول بعد هذا؟! لقد بلغت من مدحي ما لا أبلغه من مدحك.

عصر المأمون · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٥٢