ولتنظر معي نظرة مستقص لاطلاع المأمون وتدفق المعاني إليه، ومواتاة الأفكار له حينما ارتد رجل من أهل خراسان وأمر المأمون بحمله إلى مدينة السلام، فلما أدخل عليه أقبل بوجهه إليه ثم قال له: «أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسا من ديننا، فوالله لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلما بعد أن كنت كافرا، ثم عدت كافرا بعد أن صرت مسلما، فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به؛ إذ كان المريض يحتاج إلى مشاورة الأطباء، فإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك بحكم الشريعة ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد ولم تدع الأخذ بالحزم» فقال المرتد: «أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف في دينكم» فقال المأمون: «فإن لنا اختلافين؛ أحدهما: كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك، وليس هذا باختلاف إنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذن مثنى وأقام فرادى لم يؤثم من أذن مثنى وأقام مثنى، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا، وتشهد عليه بيانا، والاختلاف الآخر: كنحو الاختلاف في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا
صلى الله عليه وسلم ، مع إجماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت كتابنا فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع ما في التوارة والإنجيل متفقا على تأويله كالاتفاق على تنزيله، ولا يكون بين الملتين من اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا تحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله جل وعز الدنيا» فقال المرتد: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن المسيح عبد الله ورسوله، وأن محمدا
صلى الله عليه وسلم
صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا» قال: فانحرف المأمون نحو القبلة فخر ساجدا، ثم أقبل على أصحابه فقال: «وفروا عليه عرضه، ولا تبروه في يومه، ريثما يعتق إسلامه، كيلا يقول عدوه: إنه يسلم رغبة، ولا تنسوا نصيبكم من بره ونصرته وتأنيسه والفائدة عليه.»
وهذا المنحى الذي نحاه المأمون في إقناع ذلك المرتد يدلنا على ناحيتين من نواحي تفكيره:
الأولى:
بصره بأسرار الشريعة وعلمه بدقائق الدين وتدقيقه في فهم أنواع الخلاف بين المسلمين، ويكاد هذا التقسيم يقضي على كل شبهة عند من يريبهم هذا النزاع الذي طال بين الفرق الإسلامية، وتشعبت به مذاهب الفقهاء.
الثانية:
تعمقه في درس النفسيات واستقصاء خلجات القلب وهجسات الضمير، وذلك ظاهر في مراجعته لحياة الرجل الروحية، وتأمله لما ألفته نفسه وسكن إليه وجدانه قبل إسلامه، فقد بنى على هذه السابقة طريقة التآلف والتسامح التي قضى بها على ما مني به الرجل من الكفر بعد الإيمان.
وبعد، فإن المأمون في علمه وعرفانه أهل للاحتذاء والارتسام من أقرانه، قمين بالتمثل به والاقتفاء من أخذانه، ليكون زمانهم غرة في جبين الدهر كزمانه ، وليكون نصيبهم نصيبه في مهابته ورفعة شأنه، ورسوخ عرشه، وقوة بنيانه. (11) احترامه للدين
كان المأمون شديد الاحترام للتقاليد الدينية يرى فيها صيانة لنفسه واستبقاء لقلوب رعيته، ولكنه كان يشتط في ذلك فيعاقب على هفوة مرت عليها عشرات السنين، وسنقص عليك حادثة هي دلالة على هذا الإسراف، وهي أيضا عنوان على ذوقه في نقد الشعر، وإنا لنرجح أن للظرف الذي وقعت فيه هذه الحادثة تعليلا لما اجترح فيها، فلولا مجلس الغناء ولعبه بالنفس لما عزل قاض لهفوة لفظية طال على عهدها الزمان، وإليك الحديث: