فظن علي أنه عنى بقوله هذا إسماعيل بن موسى، فأخبر إسماعيل بن جعفر القصة حرفا حرفا، فأذاعها، وبلغ الخبر المأمون فقال: الحمد لله الذي وهب لي هذه الأخلاق التي أصبحت أحتمل بها علي بن صالح وابن عمران وابن الطوسي وحميد بن عبد الحميد ومنصور بن النعمان ورعامش.
وبعد، فالاحتمال خلة محببة إلى النفوس تدعو إلى الوفاق والوئام، وهي بالملوك أولى وأجدر لمكانهم من الزعامة والقيادة، ولمنزلتهم من الرياسة والسلطان، ولأنهم أحق الناس بكل سجية تحببهم إلى الناس، وتكون قدوة يرتسمها من عداهم ممن يتصرفون في شئون العباد ومستقبل البلاد. (9) بصره بالأدب
سترى فيما نعرض له في القسم الأدبي من آثار المأمون وكتابته مبلغ تبريزه في الفنون الأدبية، وتملكه أعنة البلاغة، وحسن تصريفه لكل أفانين الثقافة العربية، إلى جانب حسن تصريفه لشتى أمور ملكه.
والآن وسبيلنا تحليل شخصية المأمون، نرى من الواجب لتوفية البحث حقه من مختلف وجوهه أن نشير إلى كلفه بالأدب، مفترضين على كل حال ما قد يكون بمثله من تشيع المغالين من الولاء له وما قد يضاف إليه من الآثار.
ولكن ذلك كله لن يؤثر في اللب والجوهر، وهو أن المأمون كان أديبا عالما بأفانين القول ومناحيه، وليس ذلك ببعيد على من تتلمذ على شيوخ الأدب العربي، كسيبويه واليزيدي ويحيى بن المبارك بن المغيرة، الذي أخذ العربية عن أمثال أبي عمرو بن العلاء وابن أبي إسحاق الحضرمي، وأخذ اللغة والعروض عن الخليل بن أحمد، والذي ألف كتابا في النحو لبعض أولاد المأمون.
فقد أفاد المأمون من هؤلاء وأمثالهم من رجال الأدب والكفاية أيما إفادة، قال عمارة بن عقيل: أنشدت المأمون قصيدة مائة بيت، فأبتدئ بصدر البيت فيبادرني إلى قافيته كما قفيته، فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما سمعها مني أحد قط، فقال: هكذا ينبغي أن يكون، ثم قال لي: أما بلغك أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن عباس قصيدته التي يقول فيها:
تشط غدا دار جيراننا
فقال ابن عباس:
وللدار بعد غد أبعد
حتى أنشده القصيدة يقفيها ابن عباس، ثم قال: أنا ابن ذاك. ورووا أن المأمون قال:
بعثتك مرتادا ففزت بنظرة
وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
فناجيت من أهوى وكنت مباعدا
فيا ليت شعري عن دنوك ما أغني
أرى أثرا منه بعينيك بينا
لقد أخذت عيناك من عينه حسنا
ومهما قيل: إن المأمون أخذ هذا المعنى من العباس بن الأحنف الذي يقول:
إن تشق عيني بها فقد سعدت
عين رسولي وفزت بالخبر
وكلما جاءني الرسول لها
رددت عهدا في عينه نظري
خذ مقلتي يا رسول عارية
فانظر بها واحتكم على بصري
فإن شعر المأمون يدل في جملته على تذوقه الحسن بالشعر الحسن، والخيال الحسن، ثم لتنظر معي في الحديث الذي دار بين عبد الله بن أبي السمط وعمارة بن عقيل، فإن أولهما يقول لعمارة: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ فقال عمارة: ومن يكون أعلم منه؟ فوالله إنا لننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره، قال عبد الله: إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم يتحرك له، فقال عمارة: وما هو؟ قال:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا
بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
فقال عمارة: والله ما صنعت شيئا، هل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها؟ فإذن من الذي يقوم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها وهو المطوق بها؟ ألا قلت كما قال جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه
ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
فقال عبد الله: الآن علمت أني قد أخطأت.
ولقد كان المأمون واقفا أتم وقوف وأكمله على شعر العصر ومقولات الشعراء، مع حسن بصر وأتم حذق وأدق تفهم، يدلك على ذلك ما ذكره أبو نزار الضرير الشاعر قال: قال لي علي بن جبلة: قلت لحميد بن عبد الحميد: يا أبا غانم، قد امتدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض، فاذكرني له، فقال: أنشدنيه، فأنشدته، فقال: أشهد أنك صادق، فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال: يا أبا غانم، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابا لمديحه، وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف القاسم بن عيسى، فإن كان الذي قال فيك وفيه أجود من الذي مدحنا به، ضربنا ظهره وأطلقنا حبسه، وإن كان الذي قال فينا أجود أعطيته بكل بيت من مديحه ألف درهم، وإن شاء أقلناه، فقلت: يا سيدي، ومن أبو دلف ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك، فقال: ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة في شيء، فاعرض ذلك على الرجل، قال علي بن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟ قلت: الإقالة أحب إلي، فأخبر المأمون، فقال: هو أعلم، قال حميد: فقلت لعلي بن جبلة، إلى أي شيء ذهب في مدحك أبا دلف وفي مدحك لي؟ قال: إلى قولي في أبي دلف: