تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما يكن على هذه الرواية من مسحة المبالغة، أو أنها أقصوصة أكثر منها حقيقة، فإن طبيعة المأمون وسجيته وجنوحه إلى العفو وأخذه بالحلم لمما يؤيد لبابها وعصارتها، ويقرر جوهرها وخلاصتها، ولمما يصدق فيه قول من قال له:

أمير المؤمنين عفوت حتى

كأن الناس ليس لهم ذنوب

أما حديث حلمه مع عمه إبراهيم بن المهدي فمتعارف مشهور، ومذاع مذكور، فقد أبي إبراهيم أن يبايعه ثم ذهب إلى الري وادعى فيها الخلافة لنفسه، وأقام مالكها سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما، والمأمون يتوقع منه الانقياد إلى الطاعة، والانتظام في سلك الجماعة، حتى يئس من عوده، فركب بخيله ورجله، وذهب إلى الري وحاصر المدينة وافتتحها، فهرب إبراهيم وتنكر ثم أخذ بعد لأي، وقدم إلى المأمون في زي امرأة، فلما مثل بين يديه سلم عليه بالخلافة، فقال المأمون: لا سلم الله عليك، ولا حياك ولا رعاك! فقال إبراهيم: مهلا يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكم في القصاص، ولكن العفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء، أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك، وإن عفوت فبفضلك، ثم أنشد:

ذنبي إليك عظيم

وأنت أعظم منه

فخذ بحقك أو لا

فاصفح بفضلك عنه

إن لم أكن في فعالي

من الكرام فكنه

فقال المأمون: شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك فأشارا به، فقال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال المأمون: قلت لهما: نبدؤه بإحسان، ونستأمره فيه، فإن غير فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم بما جرت عليه السياسىة فقد فعلا، وبلغا ما يلزمهما، وهو الرأي السديد، ولكنك أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلا إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان قد بلغ جرمي استحلال دمي، فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغانني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحق الأبوة بعد الأب، فقال المأمون: يا إبراهيم، لقد حبب إلي العفو حتى خفت ألا أؤجر عليه. أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات! لا تثريب

6

عليك، يغفر الله لك، ولو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك، لبلغك ما أملت حسن تفضلك ولطف توصلك، ثم أمر برد ضياعه وأمواله، فقال إبراهيم:

رددت مالي ولم تبخل علي به

وقبل ردك مالي قد حقنت دمي

وقام علمك بي فاحتج عندك لي

مقام شاهد عدل غير متهم

فلو بذلت دمي أبغى رضاك به

والمال حتى أسل النعل من قدمي

ما كان ذاك سوى عارية سلفت

لو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم

وبعد، فشد ما يحتاج الولاة والقادة والزعماء إلى خلة العفو والإحسان في حزم وحسن مواتاة؛ ليستلوا من القلوب عداوتها، وليستأصلوا من النفوس سخيمتها، وليضمنوا من الرعية والأتباع الإخلاص المحض والود الصحيح. (8) احتماله

ومن الدلائل على صلاحية المأمون لما أعدته له الأيام اتصافه بالاحتمال الذي لا يقوم الملك إلا به، ولا تسير الأمور بدونه، وهو خلق يراه البعض سماحة، ونراه من المأمون سياسة هي من الصميم في آداب الملوك، وإنه ليحتمل حتى لتحسبه من الغافلين، ولكن الرجل كان يعرف أن للملك مصاعب ومتاعب أقلها مداراة الناس، والنزول لهم عن بعض ما يشتهون.

روى بعضهم عن قثم بن جعفر أنه قال: قال المأمون في يوم الخميس، وقد حضر الناس الدار، لعلي بن صالح: ادع إسماعيل، قال: فخرج ابن صالح فأدخل إسماعيل بن جعفر، وأراد المأمون إسماعيل بن موسى، فلما بصر به من بعيد، وكان أشد الناس له بغضا، رفع يديه مادهما إلى السماء ثم قال: اللهم أبدلني من ابن صالح مطيعا؛ فإنه لصداقته لهذا آثر هواه على هواي، قال: فلما دنا إسماعيل بن جعفر سلم فرد عليه، ثم دنا فقبل يده، فقال: هات حوائجك؟ قال: ضيعتي بالمغيثة غصبتها وقهرت عليها، قال: نأمر بردها عليك، ثم قال: حاجتك؟ قال: يأذن لي أمير المؤمنين في الحج، قال: أذنا لك، ثم قال: حاجتك؟ قال: وقف أبي أخرج من يدي وصار إلى قثم والقاسم ابني جعفر، قال: فتريد ماذا؟ قال: يرد إلي، قال: أما ما كان يمكننا من أمرك فقد جدنا لك به، وأما وقف أبيك فذاك إلى ورثته ومواليه، فإن رضوا بك واليا عليهم وقيما لهم رددناه إليك، وإلا أقررناه في يد من هو في يده، ثم خرج، فقال المأمون لعلي بن صالح: ما لي ولك عافاك الله! متى رأيتني نشطت لإسماعيل بن جعفر وعنيت به وهو صاحبي بالأمس بالبصرة؟! قال: ذهب عن فكري يا أمير المؤمنين، قال: صدقت، لعمري ذهب عن فكرك ما كان يجب عليك حفظه، وحفظ فكرك ما كان يجب عليك ألا يخطر به، فأما إذ أخطأت فلا تعلم إسماعيل ما دار بيني وبينك في أمره.

عصر المأمون · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٥٠