تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يكون أجمل من هذا كله - فيما لو صح - ذلك الموقف الروائي الذي تقدمت إلى المأمون فيه امرأة تشكو ظلم ابنه العباس؛ فقد شكت إليه بأبيات رقيقة فلم يسعه إلا أن يعدها الإنصاف بأبيات رقيقة على الوزن والقافية، وكانت تلك الأبيات في خفتها وجودة الخاطر بها في ساعتها بردا وسلاما على قلب تلك المرأة المظلومة.

قال الشيباني: جلس المأمون يوما للمظالم، فكان آخر من تقدم إليه وقد هم بالقيام امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثة، فوقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم، فقال لها يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلمي في حاجتك، فقالت:

يا خير منتصف يهدى له الرشد

ويا إماما به قد أشرق البلد

تشكو إليك عميد القوم أرملة

عدا عليها فلم يترك لها سبد

وابتز مني ضياعي بعد منعتها

ظلما وفرق مني الأهل والولد

فأطرق المأمون حينا ثم رفع رأسه إليها وهو يقول:

في دون ما قلت زال الصبر والجلد

عني وأقرح مني القلب والكبد

هذا أذان صلاة العصر فانصرفي

وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد

والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا

ننصفك منه وإلا المجلس الأحد

فلما كان اليوم الأحد جلس، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، أين الخصم؟ فقالت الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين. وأومأت إلى العباس ابنه، فقال لأحمد بن أبي طالب: خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم، فجعل كلامها يعلو كلام العباس، فقال لها أحمد بن أبي طالب: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها وأخرسه، ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها إلى العامل ببلدها أن يوفر لها ضيعتها ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة.

وبعد فإن المؤرخ المنصف لجدير به أن يقف أمام هذه المثل العليا وقفة احترام وإجلال، وعظة واعتبار، وأن يرغب رغبة صادقة في إذاعة هذه المثل ونشرها، والعمل على تداولها وذكرها؛ لأنها قدوة صالحة لحملة التيجان في إنصاف زميلهم الإنسان، وإن قدس العدالة لواجب احترامه، وأحق الناس باحترامه هم الولاة وحملة التيجان، وإن في شعور الرعية وعامة الناس بأنهم وحكامهم سواسية لمدعاة للرضا والاغتباط، والإمعان في خدمة الأوطان، والذب بأرواحهم وقلوبهم عن الملوك وأصحاب السلطان. (7) عفوه

كان المأمون مضرب المثل في العفو حتى لقد كان يخشى أن لا يؤجر عليه؛ إذ صار فطرة فيه، وأظرف أنواع عفوه تغاضيه عما كان يحدث في قصره.

قالت شكر مولاة أم جعفر بنت جعفر بن المنصور: سمعت المأمون أمير المؤمنين وكانت عنده أم جعفر فدعا بمقاريض،

4

فقال الغلام: قد ذهب بالمقاريض إلى الشماسية، ثم قال: يا غلام، بل لنا الخيش

5

فوق، فقال الغلام: لا، قال: يبل، فقالت أم جعفر: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما هذا؟ وأنكرت أن يكون سأل عن شيئين فلم يعملا، فقال المأمون: من قدرت على عقوبته لسوء فعله وقبيح جرمه، فقدرتك عليه كافيتك نصرا لك منه، ولا معنى لعقوبة بعد قدرة، الحلم عن الذنب أبلغ من الأخذ به.

وهو هنا يعلل العفو تعليلا مقبولا جديرا بأن يكون درسا في الأخلاق.

ثم انظر مبلغ عفوه وحلمه وسماحة نفسه فيما يرويه أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في كتابه، قال: «كان للمأمون خادم يتولى وضوءه، فكان يسرق طساسه، فبلغ ذلك المأمون فعاتبه، ثم قال له يوما وهو يوضئه: ويحك! لم تسرق هذه الطساس؟ لو كنت إذا سرقتها أتيتي بها اشتريتها منك! قال: فاشتر هذا الذي بين يديك! قال: بكم؟ قال: بدينارين، قال المأمون: أعطوه دينارين، قال: هذا الآن في الأمان».

عصر المأمون · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٤٩