تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

كشكر.

ثم انظر موقفه المشرف له وللقضاء في أيامه؛ فقد قالوا: إن رجلا دخل على المأمون وفي يده رقعة فيها مظلمة من أمير المؤمنين، فقال: أمظلمة مني؟ فقال الرجل: أفأخاطب يا أمير المؤمنين سواك؟ قال: وما هي ظلامتك؟ قال: إن سعيدا وكيلك اشترى مني جواهر بثلاثين ألف دينار، قال: فإذا اشترى سعيد منك الجوهر تشكو الظلامة مني! قال: نعم، إذ كانت الوكالة قد صحت له منك! قال: لعل سعيدا قد اشترى منك الجوهر وحمل إليك المال أو اشتراه لنفسه، وعليه فلا يلزمني لك حق، ولا أعرف لك ظلامة، فقال له - بعد كلام طويل: إن في وصية عمر بن الخطاب لقضاتكم: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر»، قال المأمون: إنك قد عدمت البينة، فما يجب لك إلا حلفة، ولئن حلفتها لأنا صادق إذ كنت لا أعرف لك حقا يلزمني، قال: فإذن أدعوك إلى القاضي الذي نصبته لرعيتك، قال: نعم، يا غلام، علي بيحيى بن أكثم، فإذا هو قد مثل بين يديه، فقال له المأمون: اقض بيننا! قال: في حكم وقضية؟ قال: نعم، قال: إنك لم تجعل ذلك مجلس قضاء، قال: قد فعلت، قال: فإني أبدأ بالعامة أولا ليصلح المجلس للقضاء، قال: افعل، ففتح الباب وقعد في ناحية من الباب وأذن للعامة، ثم دعي بالرجل المتظلم فقال له يحيى: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون، فنادى المنادي، فإذا المأمون قد خرج ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس، فقال له: اجلس، فطرح المصلى ليقعد عليها، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، لا تأخذ على خصمك شرف المجلس، فطرح له مصلى آخر، ثم نظر في دعوى الرجل، وطالب المأمون باليمين فحلف ، ووثب يحيى بعد فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه، فقال له المأمون: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله جل وعز حتى أخذته منك، وليس الآن من حقي أن أتصدر عليك، ثم أمر المأمون أن يحضر ما ادعى الرجل من المال، فقال له: خذه إليك، والله ما كنت أحلف على فجرة ثم أسمح لك فأفسد ديني ودنياي، والله يعلم ما دفعت إليك هذا المال إلا خوفا من هذه الرعية، لعلها ترى أني تناولتك من وجه القدرة، وإنها لتعلم الآن أني ما كنت أسمح لك باليمين وبالمال.

ويحق لنا أن نستنبط من هذا الموقف قيمة القضاء في تلك الأيام، واحترام الخلفاء أو من يمت إلى الخلفاء لشعائره وأحكامه، ولا نستبعد البتة صحة تلك الرواية؛ لأن تصرفات المأمون العباسي تجعلنا نقرها ونؤمن بصدقها من جهة، ولأنا قرأنا شبيهاتها من جهة أخرى، فقد قيل: إن إبراهيم بن المهدي تنازع وابن بختيشوع الطبيب بين يدي أحمد بن أبي دواد في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ، فأحفظ ذلك ابن أبي دواد فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرأ فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمما وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، ووف مجالس الخليفة حقوقها من التعظيم والتوقير والاستكانة والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشكل بك وأشمل لمذهبك في محتدك وعظيم خطره، ولا تعجلن؛ فرب عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من خطل القول والعمل، وأن يتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم، فقال إبراهيم: أصلحك الله تعالى، أمرت بسداد وحضضت على رشاد، ولست عائدا لما يثلم مروءتي عندك، ويسقطني من عينيك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فهأنذا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه معترف بجرمه، ولا يزال الغضب يستفزني بمواده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك، وقد جعلت حقي من هذا العقار لابن بختيشوع؛ فليت ذلك يكون وافيا بأرش الجناية عليه، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فترى مما قدمناه لك مبلغ سلطان القضاء وحرمته عند البيت المالك.

عصر المأمون · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٤٨