وهذه الشجاعة من أتباع المأمون تدلنا على ما كان فيه من الاستعداد لقدر كرائم الخلال، فلو أنه كان معروفا بالاستبداد لما أمكن هذه النفوس أن تبلغ ما كانت تطمح إليه من النبل والكرامة، وفي استماعه لاحتجاج جليسه حرص على استبقائه واستكناه ما في نفسه، فضلا عما يتوقعه من عواقب هذا التشجيع المقصود من التفاف حول شخصه، وتفان في الوفاء له، وإمعان في خدمته وخدمة بلاده، خدمة الحر للحر بباعث وجداني، لا خدمة العبد للسيد بعامل الإرهاب والإكراه. ولن تكون الخدمة الخالصة للبلاد بالإرهاب والإكراه، ولن تكون خدمة الملوك على وجهها الصحيح بدافع العسف والإعنات، وإنما يكون ذلك جميعه بحسن الصنيع وجميل الأثر، والإحسان بالقول والفعل، وصفاء النفوس من عوامل البغضاء والغل والعدوان.
ثم انظر فيما يرويه لنا أبو الشماخ قال: قال لي المأمون وعنده الزيدي والنقفي مولي الخيزران، وإسماعيل بن نوبخت، وتذاكروا الشعراء فقالوا: النابغة وقالوا: الأعشى وخاضوا فيهم، فقال: لا أشعرهم إلا واحدا كان خليعا؛ الحسن بن هانئ، فقالوا: صدق أمير المؤمنين، قال: الصدق على المناظرة أحسن من الصدق على الهيبة، فقالوا: فبم قدمته؟ قال بقوله:
يا شقيق النفس من حكم
نمت عن ليلى ولم أنم
ثم لم يسبقه إلى هذا البيت أحد:
ثم دبت في عروقهم
كدبيب البرء في السقم
وفي عبارة «الصدق على المناظرة أحسن من الصدق على الهيبة» دلالة على رغبته في إحياء الغرائز الأدبية التي تميتها المصانعة، ويقبرها الرياء، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن تقديمه ابن هانئ لتجويده في وصف الراح له دلالته وله مغزاه، فهو يدل إلى حد غير قليل إلى جانب ما علمناه عن المأمون؛ أصيد الهمة، مستحصد العزم، على أنه كان في أوقات أنسه ومرحه الرجل المرح الطروب الذي يتذوق المعاني الفرحة وما لها من مجاملات وأفانين.
وبعد، فإن تربية الشعوب على قدر كرامتها الخاصة ورفعة شأنها بين الأمم لتتطلب تعهدا خاصا ممن يتولى أمرها في هذا السبيل، فيعمل على أن يحس الأفراد والحكام ممن هم في عنقه وتحت هيمنته ما لهم من مكانة ومنزلة، وما لآرائهم وتصرفاتهم من احترام وقدر، أخذا لهم بالشجاعة في المجاهرة بمعتقداتهم، وتنمية للروح الذي تفيده هذه الألفاظ «حرية، إخاء، مساواة» في نفوسهم، وإن في انتهاجهم هذا السبيل لأجل خدمة لممالكهم وشعوبهم وعروشهم. (6) عدله وإنصافه
كان المأمون عدلا منصفا إلى حد بعيد، وقد عرف فيه الناس هذه الخلة، فكانوا يطمعون في أنصاره والمقربين إليه، ويجهرون بالشكوى من كل من يسوءهم طمعه أو ينفذ إليهم عدوانه.
حدث بعض المعاصرين قال: «شهدت المأمون وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن هشام، فصاح به رجل من أهل فارس: الله الله يا أمير المؤمنين! فإن أحمد بن هشام ظلمني واعتدى علي، فقال: كن بالباب حتى أرجع، ثم مضى، فلما جاز الموضع بعدوة التفت إلى أحمد فقال: ما أقبح بنا وبك أن نقفك وصاحبك هذا رءوس هذه الجماعة، ويقعد في مجلس خصمك، ويسمع منه كما يسمع منك، ثم تكون محقا، ثم تكون مبطلا، فكيف إن كنت في صفته لك، فوجه إليك من يحوله من بابنا إلى رحلك، وأنصفه من نفسك، وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا، ولا تجعل لنا ذريعة إلى ما تكره من لائمتك، فوالله لو ظلمت العباس ابني كنت أقل نكيرا عليك من أن تظلم ضعيفا لا يجدني في كل وقت ولا مجلوا له وجهي، وسيما من تجشم السفر البعيد وكابد حر الهواجر وطول المسافة».
قال المحدث المعاصر: فوجه إليه أحمد فجاء به وكتب إلى عامله يرد عليه ما أخذ منه، ويشتمه ويعنفه، ووصل الرجل بأربعة آلاف درهم وأمره بالخروج من يومه.
وهناك الكثير من هذا المثل؛ كموقفه مع موسى بن الحسن وإنصافه بأن أخذ حقه من محمد بن أبي العباس الطوسي، وموقفه مع النصراني الذي من أهل