تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن في ذيوع هذه الأخبار عن المأمون دليلا على عنايته بنشر دعوة الملك الموطد الذي ييئس المخاتلون من التنكر له والخروج عليه، فإن ظهور الملوك بالنفاذ إلى سرائر الرعية، يزيدهم قوة إلى قوة وسلطانا إلى سلطان.

وإنا إذا نظرنا إلى من استوزره وأعلى مكانه واستخلصه لنفسه من رجالات دولته وقواد ملكه؛ لم نتردد في الحكم للمأمون وأنه كان الموفق المسدد في اختيار أهل الكفايات والنبوغ.

وقد كان إلى جانب هذا يقدر الكفاية في خصومه، ونظرة فيما رواه ابن طيفور عن الحسن بن عبد الخالق خاصا برأي المأمون في الفضل بن الربيع، وهو الذي تعلم مقدار إساءته إليه، تدلك على هذا، فقد قال المأمون في معرض الحديث عن الفضل:

كان يدبرالخطأ فيقع صوابا، ويبعث بالجيش الضعيف فيقع به النصر، وأدبر أنا فيقع بغير ذلك، فلما وقفت على البصيرة من أمري، وفكرت في نفسي، وعملت بالأحزم في ذلك ملت إلى الحزم فوردت العراق. وإن الفضل بن الربيع بقية الموالي، فلا تخبره بذلك عني؛ فإني أكره أن يبلغه عني ما يسره.

ويؤيد صحة هذه الرواية ما ذكره بشر السلماني من المعاصرين إذ يقول: «سمعت أحمد بن أبي خالد يقول: كان المأمون إذا أمرنا بأمر فظهر من أحدنا فيه تقصير يقول: أترون أني لا أعرف رجلا ببابي لو قلدته أموري كلها لقام بها؟ فقال بشر : فقلت لأحمد بن أبي خالد: يا أبا العباس، من يعني؟ قال: الفضل بن الربيع».

ويظهر أن خطة المأمون في تقدير الكفايات أني وجدت قد اتبعها قادة المأمون نفسه، فإن ابن طيفور يحدثنا أنه لما ولي طاهر بن الحسين على شرطة المأمون سنة أربع ومائتين، وكان عليها من قبل العباس بن المسيب بن زهير، كتب طاهر إلى الفضل بن الربيع: «إن في رأيك البركة، وفي مشورتك الصواب، فإن رأيت أن تختار لي رجلين للجسر!» فكتب إليه ابن الربيع: «قد وجدتهما لك، وهما: خيار السندي بن يحيى، وعياش بن القاسم». فولاهما طاهر الجسرين.

وبعد، فإنا نظن أن في هذا القدر الكفاية لإثبات ما كان من تقدير المأمون ورجاله لأهل الكفاية والاقتدار، وحرصهم على استعمال أصحاب المواهب، والاستعانة بهم وبكفاياتهم في خدمة الدولة. (5) قدره للشجاعة الأدبية

كان المأمون يرضيه أن يكون الرجل نقي السريرة، رابط الجأش، يقدم على كلمة الحق غير هياب، وقد حدثنا ابن أبي طاهر طيفور عمن روى عنه قال: «حدثني أحمد بن أبي خالد الأحول بخراسان فيما كان يخبرني به عن كرم المأمون وفضله واحتماله وحسن معاشرته، أنه سمع المأمون يوما وعنده علي بن هشام وأخواه أحمد والحسين ذكر عمرو بن مسعدة فاستبطأه، وقال: أيحسب عمرو أني لا أعرف أخباره وما يجبي إليه وما يعامل به الناس؟ بلي والله، ثم بعثه ألا يسقط علي منه شيء! ونهض وانصرفنا، فقصدت عمرا من ساعتي فخبرته بما جرى، وأنسيت أن أستحله من حكايته عني، فراح عمرو إلى المأمون، فظن المأمون أنه لم يحضر إلا لأمر مهم؛ لموقعه من الرسائل والمظالم والوزارة، فأذن له، فخبرني عمرو أنه لما دخل عليه وضع سيفه بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين، أنا عائذ بالله من سخطه، ثم عائذ بك من سخطك يا أمير المؤمنين، أنا أقل من أن يشكوني أمير المؤمنين إلى أحد، أو يسر علي ضغنا يبعثه بعض الكلام على إظهاره ما يظهر منه! فقال لي: وما ذاك؟ فخبرته بما بلغني ولم أسم له مخبري، فقال لي: لم يكن الأمر كما بلغك، وإنما كانت جملة من تفصيل كنت على أن أخبرك به، وإنما أخرج مني ما أخرج معنى تجاريناه، وليس لك عندي إلا ما تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظنك. فأعدت الكلام، فما زال يسكن مني ويطيب من نفسي حتى تحلل بعض ما كان في قلبي، ثم بدأ فضمني إلى نفسه، وقبلت يده، فأهوى ليعانقني فشكرته، وتبينت في وجهه الحياء والخجل مما تأدى إلي، قال أحمد: فلما غدوت على المأمون قال لي: يا أحمد، أما لمجلسي حرمة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، وهل الحرم إلا لما فصل عن مجلسك! قال: ما أراكم ترضون بهذه المعاملة فيما بينكم! قلت: وأية معاملة يا أمير المؤمنين؟ هذا كلام لا أعرفه، قال: بلى، أما سمعت ما كنا فيه أمس من ذكر عمرو؟ ذهب بعض من حضر من بني هاشم فخبره به، فراح إلي عمرو مظهرا منه ما وجب عليه أن يظهره، فدفعت منه ما أمكن دفعه، وجعلت أعتذر إليه منه بعذر قد تبين في الخجل منه، وكيف يكون اعتذار إنسان من كلام قد تكلم به إلا كذلك يتبين في عينيه وشفتيه ووجهه، ولقد أعطيته ما كان يقنع مني بأقل منه، وما حداني عليه إلا ما دخلني من الخساسة، وإنما كان نطق به اللسان عن غير روية ولا احتمال مكروه به، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا أخبرت عمرا به لا أحد من ولد هاشم، فقال: أنت! قلت: أنا، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ فقلت: الشكر لك والنصح والمحبة لأن تتم نعمتك على أوليائك وخدمك، أنا أعلم أن أمير المؤمنين يحب أن يصلح له الأعداء والبعداء، فكيف الأولياء والأقرباء؟ ولا سيما مثل عمرو في دنوه من الخدمة، وموقعه من العمل ومكانه من رأي أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه. سمعت أمير المؤمنين أنكر منه شيئا، فخبرته به ليصلحه ويقوم من نفسه أودها لسيده ومولاه، ويتلافى ما فرط منه ولا يفسده مثله ولا يبطل العناء فيه، وإنما كان يكون ما فعلت عيبا لو أشعت سرا فيه قدح في السلطان، أو نقض تدبير قد استتب، فأما مثل هذا فما حسبته يبلغ أن يكون ذنبا علي، فنظر إلي مليا ثم قال: كيف قلت؟ فأعدت عليه، ثم قال: أعد، فأعدت الثالثة، فقال: أحسنت والله يا أحمد، لما خبرتني به أحب إلي من ألف ألف وألف ألف وألف ألف! وعقد خنصره وبنصره والوسطى ثم قال: أما ألف ألف فلنفيك عني سوء الظن، وأطلق وسطاه، وأما ألف ألف فلصدقك إياي عن نفسك، وأطلق البنصر، وأما ألف ألف فلحسن جوابك، وأطلق الخنصر، وأمر لي بمال».

عصر المأمون · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٤٦