وانظر إلى تلك النصيحة التي تقدم بها عبد الله بن طاهر لمنصور بن طلحة ينهاه عن الكلام في الإمامة؛ إذ يقول: «إنما نبت شعرنا على رءوسنا ببني العباس»، ثم انظر إلى ما كتبه المأمون إلى عبد الله المذكور:
أخي أنت ومولاي
ومن أشكر نعماه
فما أحببت من أمر
فإني الدهر أهواه
وما تكره من شيء
فإني لست أرضاه
لك الله على ذاك
لك الله لك الله
وانظر إلى ما رواه الطبري عما قاله عبد الله بن طاهر وهو محاصر بمصر عبيد الله بن السري إذ قال:
بكرت تسبل دمعا
أن رأت وشك براحي
وتبدلت صقيلا
يمنيا بوشاحي
وتماديت بسير
لغدو ورواح
زعمت جهلا بأني
تعب غير مراح
أقصرى عني فإني
سالك قصد فلاحي
أنا للمأمون عبد
منه في ظل جناح
إن يعاف الله يوما
فقريب مستراحي
أو يكن هلك فقولي
بعويل وصياح
حل في مصر قتيل
ودعى عنك التلاحي
ألا يجوز لنا أن نستخلص مما قدمناه لك أن المأمون كان محبوبا عند بطانته؟ ولسنا ننفي بذلك أن الأمين لم يكن محبوبا، وأن موته آلم أهل بغداد وجندها، ولا ننكر أن بعضا من جند طاهر بن الحسين انضم إلى الأمين طمعا في ماله، وحبا في سخائه مما بيناه لك في موضعه، ولكنا الآن بموقف الذين يحللون أخلاق المأمون، وفي عنقنا ألا نترك ناحية من نواحيه من غير أن نفيها حقها من البحث، ونعطيها نصيبها من الاستقراء.
وبعد، فإنه مما لا مندوحة للمليك عنه أن يكون وادعا محببا إلى بطانته وحاشيته بإحسانه إليهم، وتعهده إياهم بعطفه ورعايته، وأن يحدب عليهم ويرعاهم بعناية تشملهم ألطافها، وتقلد أعناقهم مننها، وتكون أشمل للرعية وأرعى للأفراد لحقهم من شخصه الجليل؛ إذ هو ملك للرعية جميعها، على اختلاف ألوانها وتباين مراتبها، وهو عظيم التبعة أمام الله والتاريخ عمن تملك عليهم وتولى أمر دنياهم وآخرتهم. (4) تقديره لرجال الدولة
كان المأمون أكثر توفيقا من أخيه الأمين في كفاية بطانته، وقدرة قادته، وحزم مشيريه، وبصر ولاته، وكان مع ظفره بالناصحين من خاصته كثير التأمل لما يجري في ملكه من مظاهر الضعف والقوة، حريصا على تدبر ما يمر به من مختلف الشئون في تعرف الشخصيات القوية التي يرجو أن يستند إليها الملك ويتأيد بها النظام.
ولقد حدثنا الطبري في تاريخه عن إسحاق بن إبراهيم أن المعتصم قال له: يا إسحاق، في قلبي أمر أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك، فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين، فإنما أنا عبدك وابن عبدك، قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم، قلت: ومن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين، فقد رأيت وسمعت، وعبد الله بن طاهر، فهو الرجل الذي لم ير مثله، وأنت، فأنت والله الذي لا يعتاض السلطان منك أبدا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد؟ وأنا فاصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما صار أمره، وإشناس ففشل رأيه، وإيتاخ فلا شيء، ووصيفا فلا مغني فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، أجيب عن أمان من غضبك؟ قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين، أعزك الله، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب؛ إذ لا أصول لها، فقال: يا إسحاق، لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا الجواب.
ولقد كان المأمون، إلى جانب هذه الخبرة بما يحتاج إليه من صفوة الرجال، بصيرا بما في مملكته من ألوان المكر وصنوف الرياء؛ فقد حدثنا ابن طيفور عن إبراهيم بن المهدي قال: قال المأمون يوما وفي مجلسه جماعة: هاتوا من عسكرنا من يطلب ما عندنا بالرياء، قال: فقال كل واحد بما عنده؛ إما أن يقول في عدو بما يقدح فيه، أو يقول بما يعلم أنه يسر خليفته، فلما قالوا ذلك قال: ما أرى عند أحد منكم ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره أهل الرياء، حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل واحد منهم حولا محرما ما زاد على معرفته، قال: فكان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أن قال حين ذكر أهل الرياء وما يعاملون به الناس: تسبيح حميد الطوسي، وصلاة قحطبة، وصيام النوشجاني، ووضوء المريسي، وبناء مالك بن شاهي المساجد، وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر، وجمع الحسن بن قريش اليتامي، وقصص منجى، وصدقة علي بن الجنيد، وحملان إسحاق بن إبراهيم في السبيل، وصلاة أبي رجاء الضحى، وجمع علي بن هشام القصاص، قال: حتى عددنا جماعة كثيرة، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: بالله هل رأيت أو سمعت بملك قط أعلم برعيته ولا أشد تنقيرا من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدث بهذا الحديث رجلا من أصحاب الأخبار والعلم، فقال: وما نصنع بهذا؟ قد شهدت رسالته إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء يخبر بمعايبهم رجلا رجلا، حتى لهو بها أعلم منهم بما في منازلهم.