قال: إي لعمر الله!
قلت: فمن جعل الكاف منه مكان القاف؟
قال: هذه حمير.
قلت: لعنها الله ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم!
فضحك المأمون وعلم ما أردت، والتفت إلى خادم إلى جانبه فقال: أعطه ما معك، فأخرج إلي كيسا فيه ثلاثة آلاف دينار.
فقال: هاك، ثم قال: السلام عليك ومضى، فكان آخر العهد به.
أما عن كرم نفسه، فإن ابن طيفور يحدثنا أن مخارقا قال: كنا عند المأمون أنا والمغنون بدمشق وعريب معنا .
فقال: غن يا مخارق.
فقلت: أنا محموم.
فقال: يا عريب، جسيه.
فرفعت يدها إلى عضدي، فقال لها المأمون: قد اشتهيته، تحبين أن أزوجك؟
قالت: نعم!
فقال: من تريدين؟
قالت: هذا، وأومأت إلى محمد بن حامد، فقال: اشهدوا أني قد زوجتها منه، ثم انظر ما يستطرد به مخارق من أن المعتصم لما ولي كتب إلى إسحاق بن إبراهيم أن: مر محمد بن حامد أن يطلق عريبا، فأمره فتأبى، فكتب إليه أن: اضربه، فضربه بالمقارع حتى طلقها، ففي هذه الرواية ما يساعد على الوصول إلى تنظير في هذه الناحية بين المأمون وأخيه المعتصم.
أما كرم بطانته واقتفاؤهم أثره وترسمهم خطواته، فإن الحديث في ذلك يطول، وقصارانا أن نحيل إلى ما فعل طلحة بن طاهر وعبد الله بن طاهر وغيرهما، فاطلب ذلك في مظانه.
وبعد، فإنه لمن الجميل الممتع حقا أن يكون الملك كريما بسجيته، جوادا بنزعته، وقد يكون أجمل وأمتع وأبلغ وأوقع أن يكون من وراء فواضله وإنعاماته تشجيع الكفايات على الظهور، واستحثاث أصحاب الهمم والعزمات، والمواهب والعبقريات، وعلى التبريز والإحسان، والإجادة والإتقان خدمة لبني الإنسان ورفعة للأوطان. (3) كيف تملك المأمون قلوب بطانته؟
نريد أن نترك الكلمة في تصوير هذه الناحية لما يرويه لنا ولاة المأمون أنفسهم، فقد قال رجل من إخوة المأمون للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله، فدفع المأمون ذلك وأنكره، ثم عاد بمثل هذا القول، فدس إليه رجلا ثم قال له: امض في هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، واذكر مناقبه وعلمه وفضائله، ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر، ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له، وابحث عن دفين نيته بحثا شافيا، وائتني بما تسمع منه.
قال: ففعل الرجل ما قال له وأمره به، حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء والأعلام قعد يوما بباب عبد الله بن طاهر وقد ركب إلى عبيد الله بن السري بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل فأخرج من كمه رقعة فدفعها إليه، فأخذها بيده، فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الأرض غيره، وقد مد رجليه وخفاه فيهما.
فقال له: قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك.
قال: ولي أمانك وذمة الله معك؟
قال: لك ذلك.
قال: فأظهر له ما أراد ودعاه إلى القاسم فأخبره بفضائله وعلمه وزهده.
فقال له عبد الله: أتنصفني؟
قال: نعم.
قال: هل يجب شكر الله على العباد؟
قال: نعم.
قال: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة والتفضل؟
قال: نعم.
قال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحال التي ترى؛ لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك، وفيما بينهما أمري مطاع وقولي مقبول، ثم ما التفت يميني ولا شمالي وورائي وقدامي إلا رأيت نعمة رجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويدا لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرما، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا، واسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه! تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث أعلم أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعته! فسكت الرجل، فقال له عبد الله: أما إنه قد بلغني أمرك، وتالله ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا البلد فإن السلطان الأعظم إن بلغه أمرك - وما آمن ذلك عليك - كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك، فلما أيس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون فأخبره الخبر، فاستبشر وقال: ذلك غرس يدي، وإلف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر من ذلك لأحد شيئا ولا علم به عبد الله إلا بعد موت المأمون.