تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأنت ترى من هذا إلى أية درجة من العناية والاهتمام وصلت الدعاوة «البروباجندة» المأمونية.

ولا غرو فقد أفادت المأمون أيما إفادة، وقد كان المسلمون بسبب نشاط العباسين في الدعوة لأنفسهم أطوع لهم مما كانوا لبني أمية، واعتقدوا أن خلافتهم تبقى أبد الدهر حتى يأتي السيد المسيح، وغرس في أذهان الناس بتوالي الأزمان أن الخليفة العباسي إذا قتل اختل نظام العالم، واحتجبت الشمس وامتنع القطر وجف النبات! كل ذلك من أثر عناية العباسيين بالدعاوة لأنفسهم، واهتمامهم أيما اهتمام بتبرير تصرفاتهم وتزكية أعمالهم.

ثم انظر ماذا حصل لإبراهيم بن المهدي تر أن الدعوة المأمونية أبت إلا أن يقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقواد والجند، وصير الدعاة المقنعة التي كان متنقبا بها في عنقه، والملحفة التي كان ملتحفا بها في صدره ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ.

وانظر أخيرا - رعاك الله ووفقك - إلى ما يحدثنا به أحمد بن أبي دواد عن كلمة المأمون في هذا الصدد، قال: «قال لي المأمون: لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين الملوك وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله أو رهبة في بعض ما لا تجود النفوس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة الاستبدال اشتركت في ذلك، وهناك خيانات في صلب الملك أو في بعض الحرم فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ولا أن يحتج لتلك العقوبة بما يستحق ذلك الذنب، ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة ولا معروف عند أكثر الخاصة». (9) صعوبة مهمة المؤرخ

والحق أنها مهمة صعبة أن تستكشف حقيقة الظالم من المظلوم، والغالب من المغلوب، والهادي والضال في هذه الدولة التي لعبت فيها الأقلام والألسنة دورا عظيما، ولولا ما جنحنا إليه من الاطلاع على شتى المصادر، وقضينا في ذلك تمهيدا طويلا ودرسا مملا متعبا، فطالعنا أقوال الأحزاب المتضاربة، ووازنا بين كلمة هذا ودفاع ذاك لما كنا بالغين بعض ما بلغناه من إماطة اللثام عن بعض الحقائق التاريخية. وفي هذا القدر الكفاية عن حياة المأمون الخليفة، وآن لنا أن نتكلم عن نواحيه الخلقية.

| هوامش

الفصل السابع

| شخصية المأمون

(1) توطئة

نريد هنا أن نحلل أخلاق المأمون، ونريد أن نستقصي كل ما قيل عنه، وأن ندرس شتى نواحيه الخلقية بما تستحقه من العناية والتعليق والتوضيح، وسنعتمد فيما سنكتبه على الحوادث وما رواه المعاصرون عنه، ونرجو أن نوفق فيما سنعانيه. (2) كرمه وسخاؤه

يقول صاحب النجوم الزاهرة: إنه لم يفرق ملك ولا سلطان في يوم واحد مثل ما فرقه المأمون يوم ولى ولده العباس على الجزيرة؛ إذ أمر لكل من المعتصم والعباس بخمسمائة ألف دينار، وأمر بمثل ذلك لعبد الله بن طاهر.

وقد يكون من نافلة القول أن نذكر أن المأمون كان من أكثر خلفاء العباسيين جودا وأبسطهم يدا وأسخاهم نفسا، بعد أن نرى كتب التاريخ والأدب مفعمة بما كان له من حوادث غريبة في السخاء والجود.

والذي يتتبع ما ذكره المؤرخون من حوادث جوده وفيض إنعامه يرى أن كرم المأمون وسخاءه يرجع إلى عناصر مختلفة في نفسه، فمنها ما يرجع إلى ما في فطرته من أريحية واهتزاز للمعروف، ومنها ما يرجع إليه كسياسي يريد أن يظفر ويتملك القلوب ويوطد أركان سلطانه بالمال.

ونحن إذا نظرنا إلى الدوحة الهاشمية التي تفرع عنها المأمون، وأنه نشأ في حجر الخلافة في النعيم والترف، ومن هذا شأنه قل حرصه على المال، وإذا نظرنا أيضا إلى أنه خاض معمعة سياسية وحربية كان المال من أفعل آلاتها وأبعدها أثرا - وقد بينا لك في العصر الأموي ما كان للمال من أثر قوي في إقامة سلطان بني أمية وتوطيده - لم نر غلوا كبيرا فيما أترعت به كتب الأدب والتاريخ من حوادث جود المأمون وكرمه، ولننظر فيما يرويه لنا ابن طيفور في هذا السبيل فإنه قال: إن المأمون لما فتح «حصن فرة» وغنم ما فيه اشترى السبي بستة وخمسين ألف دينار، ثم خلى سبيلهم وأعطاهم دينارا دينارا.

عصر المأمون · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٤١