تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهاك مثالا مما يصح أن يكون من آثار أريحية المأمون وإرادته توطيد سلطانه:

يحدثنا ابن الأثير والطبري أن العبسي صاحب إسحاق بن إبراهيم قال: كنت مع المأمون بدمشق وكان قد قل المال عنده حتى أضاق وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وكان قد حمل إليه ثلاثين ألف ألف ألف

1

درهم من خراج ما يتولاه له، قال: فلما ورد عليه ذلك المال قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، قال: فخرجا حتى أصحرا ووقفا ينظرانه، وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، وألبست الأحلاس الموشاة والجلال المصبغة، وقلدت العهن، وجعلت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رءوسها، قال: فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك فعظم في عينه، واستشرفه الناس ينظرون إليه ويعجبون منه، فقال المأمون ليحيى: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم، وننصرف بهذه الأموال وقد ملكناها دونهم، إنا إذن للئام! ثم دعا محمد بن يزداد فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان بمثلها، قال: فوالله إن زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلى يعطي جندنا، قال العبسي: فجئت حتى قمت نصب عينه، فلم أرد طرفي عنها لا يلحظني إلا رآني بتلك الحال، فقال: يا أبا محمد، وقع لهذا بخمسين ألف درهم من ستة آلاف الألف، قال: فلم يأت علي ليلتان حتى أخذت المال.

ومما يدل على كرم نفس المأمون وحسن تبسطه ما رواه القاسم بن محمد الطيفوري قال: شكا اليزيدي إلى المأمون خلة أصابته ودينا لحقه فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر قد ضاق علي، وإن غرمائي قد أرهقوني، قال: فرم لنفسك أمرا تنل به نفعا، فقال: لك منادمون فيهم من إن حركته نلت منه ما أحب، فأطلق لي الحيلة فيهم، قال: قل ما بدا لك، قال: فإذا حضروا وحضرت فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إلي: «دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن اختر لنفسك من أحببت»، قال: فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه، وتيقن أنهم قد ثملوا من شربهم أتى الباب فدفع إلى ذلك الخادم رقعة قد كتبها، فأوصلها إلى المأمون فقرأها فإذا فيها:

يا خير إخواني وأصحابي

هذا الطفيلي لدى الباب

خبر أن القوم في لذة

يصبو إليها كل أواب

فصيروني واحدا منكم

أو أخرجوا لي بعض أترابي

قال: فقرأها المأمون على من حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخل هذا الطفيلي على مثل هذه الحالة، فأرسل إليه المأمون: «دخولك في هذا الوقت متعذر؛ فاختر لنفسك من أحببت تنادمه» فقال: ما أرى لنفسي اختيارا غير عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع اختياره عليك فسر إليه، قال: يا أمير المؤمنين، فما أكون شريك الطفيلي، قال: ما يمكن رد أبي محمد عن أمرين؛ فإن أحببت أن تخرج وإلا فافتد نفسك، فقال: يا أمير المؤمنين، له علي عشرة آلاف درهم! قال: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، قال: فلم يزل يزيده عشرة عشرة والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك حتى بلغ مائة ألف، قال: فقال له المأمون: فعجلها له، قال: فكتب له بها إلى وكيله ووجه معه رسولا، فأرسل إليه المأمون: «قبض هذه في هذه الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله وأنفع عاقبة».

ويتجلى سخاء المأمون مع الوفاء وطيب النفس في موقفه مع غلام سعيد الجوهري الذي كان قد لز بالمأمون في الكتاب، فكان إذا احتاج المأمون إلى محو لوحه بادر إليه فأخذ اللوح من يده فمحاه، وغلب على غلمان المأمون ومسحه وجاء به فوضعه على المنديل في حجره، فلما سار المأمون إلى خراسان وكان من أخيه محمد الأمين ما كان، خرج إليه غلام سعيد هذا فوقف بالباب حتى جاء أبو محمد اليزيدي، فلما رآه عرفه فدخل فأخبر المأمون، فقال له مستبشرا بقدومه: لك البشرى! ثم أذن له فدخل عليه، فضحك إليه حين رآه ثم قال: أتذكر وأنت تبادر إلى محو لوحي؟ قال: نعم يا سيدي. فوصله بخمسمائة ألف درهم.

عصر المأمون · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٤٢