تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

يقول: «من عذب النفس في الدنيا عذبه الله يوم القيامة» فأمر بأن يرفع عن الناس فارتفع العذاب من تلك السنة».

4

ويجوز لنا أن نستدل من هذه العبارة ومما ذكره الطبري وسواه من تخفيض بعض الخلفاء لخراج بعض البلدان عقب ثورة من الرعية أو زيارة ملكية، على أن العمال كانوا يجنحون إلى الشدة والعسف وجمع المال بشتى الوسائل، وكل ذلك من جراء النظام المتبع معهم كما أسلفنا، فتأمل كيف يكون عسف الولاة للرعية بسبب عسف الملوك للولاة والعمال.

يعسفون

5

ويظلمون والرعية وحدها هي التي تحتمل وتصبر، بيد أن التاريخ يحدثنا دائما في كافة الدول وكافة الأجيال أن نهاية هذا الاحتمال وذلك الصبر هي يقظة الأمم وانتباهها، ونهضة الشعوب ونضوجها، ورفضها في إباء وشمم، وفي عقيدة وإيمان، وفي شجاعة وحرية، وفي تصميم وقوة إرادة، احتمال أمثال هذه الأدران والمآثم، وتلك الإساءات والمظالم ممن تسلموا مقاليد الرعية من الحكام وذوي السلطان. (4) ثروة الخلفاء ورجال الدولة وبذخهم

نريد أن نقيد ملاحظة أخرى وهي نتيجة لازمة من نتائج الاستصفاء والاغتصاب، تلك الملاحظة هي استفحال ثروة الخلفاء طبعا، واستفحال ثروة كبار رجالاتهم والمقربين من أفراد البيت الملكي من بطانة وحاشية، واستفحال بذخهم، واستفحال أعطياتهم، ونحن وإن كنا لم نجد مصدرا منظما في هذا الموضوع، وخاصة في العصر المأموني، فقد عثرنا في كتاب «لطائف المعارف» للثعالبي أن «المكتفي» وهو قريب الصلة بعصر المأمون قد خلف مائة مليون دنيار! وهذا تفصيلها:

دينار

20000000

من العين والورق والأواني المعمولة

20000000

من الفرش

20000000

من الكراع والسلاح والغلمان

20000000

الضياع والعقار والأملاك

20000000

الجوهر والطيب وما يجرى معهما

ومن المعقول أن نتخذ من حالة هذا الخليفة العباسي مقياسا لغيره، وإن كنا نعلم أن غيره مثل الرشيد والمأمون كانا أبسط منه سلطانا وأكثر أعوانا، فهما إن لم يكونا أرفع منه شأنا ليسا بأقل منه بالثروة مكانا.

أما ثروة كبار رجالهم، فإنا نذكر لك هنا على سبيل المثال نصا هاما يصح أن نتخذه أساسا لتقدير ثروة أسرة الفضل بن سهل أو أسرة طاهر بن الحسين أو غيرهما من أساطين الدولة وأقطاب المملكة، وهو النص الذي رواه سهل بن هارون، أحد المعاصرين، خاصا بثروة البرامكة، وكلامه حجة لا محالة لأنه إلى جانب كونه من المعاصرين الواقفين على مجريات الأمور وبواطنها في ذلك العهد، فقد كان يشغل وظيفة خازن دار الحكمة في أيام المأمون، قال: «... وأمر الرشيد بضم أموالهم فوجد من العشرين ألف ألف التي كانت مبلغ جبايتهم اثني عشر ألف ألف مكتوب على بدرها صكوك مختومة تفسيرها رقيما حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدق به يحيى، وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، فكان ديوان إنفاق واكتساب فائدة، وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف وستة وسبعين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورياشهم، والدقيق والجليل من مواعينهم، فإنه لا يصف أقله ولا يعرف أيسره إلا من أحصى الأعمال وعرف منتهى الآجال».

ويجوز لنا كذلك أن نستخلص مما صرف على زواج بوران بالمأمون مبلغ ثروة الحسن بن سهل، كما يجوز لنا أن نتبين مقدار ثروة عبد الله بن طاهر من رواية صاحب النجوم الزاهرة الخاصة بإحدى مواقفه في الكرم ومؤداها: أنه افتدى الأسرى من الترك بنحو ألفي ألف درهم، ثم انظر ما رواه المسعودي في مروجه خاصا بما فعله إبراهيم بن المهدي في زيارة للرشيد له؛ إذ اصطنع له طاهيه جملة أطعمة فخمة وكان من جملتها جام سمك مقطع، فاستصغر الرشيد قطعه واستفسر منه عن حقيقتها، فأجابه إبراهيم بن المهدي: يا أمير المؤمنين، هذه ألسنة السمك. وقدرت نفقة ما في ذلك الجام بألف درهم.

عصر المأمون · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٣٧