فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، فلما أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضا ونتف لحى بعض، فعاوده علي بن موسى في أمرهم، وأعلمه ما كان من ضمانه لهم، فأعلمه أنه يداري ما هو فيه، ثم ارتحل من مرو، فلما أتى سرخس شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بالسيوف حتى مات، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة 202 فأخذوا. وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون، وهم أربعة نفر: غالب المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلي، وقتلوه وله ستون سنة وهربوا، فبعث المأمون في طلبهم، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم بن بزرجمهر الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت أعناقهم، وقد قيل: إن الذين قتلوا الفضل لما أخذوا سألهم المأمون، فمنهم من قال: إن علي بن أبي سعيد، ابن أخت الفضل، دسهم، ومنهم من أنكر ذلك، وأمر بهم فقتلوا، ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلي وموسى وخلف فسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم يقبل ذلك منهم، وأمر بهم فقتلوا، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل في واسط، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، وتزوج المأمون من ابنته بوران، وأظهر الحسن في حفلة زواجها من الكرم الخارق، والجود الحاتمي ما دعا المأمون إلى أن نسبه فيه إلى السرف، ولقد قدم على الحسن بن سهل شاعر يلتمس صلته وعارفته، فاشتغل عنه مديدة فكتب إليه:
المال والعقل مما يستعان به
على المقام بأبواب السلاطين
وأنت تعلم أني منهما عطل
إذا تأملتني يا ابن الدهاقين
أما تدلك أثوابي على عدمي
والوجه أني رئيس في المجانين
والله يعلم ما للملك من رجل
سواك يصلح للدنيا وللدين
فقيل: إن الحسن أمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته:
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا
قلا ولو أنظرتنا لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تنل
ونكون نحن كأننا لم نسأل
ويظهر لنا مما قرأناه عن الحسن بن سهل في أمالي أبي علي القالي وغيره من مظان الكتب الأدبية، أن له بصرا بالأدب عظيما، ومكانة في الكتابة سامية، وحظا بأفانين القول ومناحيه وفيرا.
فقد روي عنه أنه كتب إلى محمد بن سماعة القاضي: «أما بعد، فإني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال الخير، ذي عفة ونزاهة طعمة،
1
قد هذبته الأخلاق وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في حسبه، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ فيه، له سن مع أدب ولسان، تقعده الرزانة ويسكنه الحلم، قد فر عن ذكاء وفطنة، وعض على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة، قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام في أمورهم فحمد فيها، له أناة الوزراء وصولة الأمراء، وتواضع العلماء وفهم الفقهاء وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة وأمارات العلم له شاهدة، مضطلعا بما استنهض مستقلا بما حمل، وقد آثرتك بطلبه وحبوتك بارتياده؛ ثقة بفضل اختيارك ومعرفة بحسن تأتيك».
ويقول ابن طباطبا: إن الحسن بن سهل كان أعظم الناس منزلة عند المأمون، وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته، فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث، وكلما أراد الانصراف منعه، فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت عليه الملازمة، فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون، ويستخلف أحد كتابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن يوسف وغيرهما، ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه، فكانت سبب انقطاعه في داره واحتجابه عن الناس . وقد هجاه حين ذاك بعض الشعراء فقال:
تولت دولة الحسن بن سهل
ولم أبلل لهاتي من نداها