وظاهرها للقبل
ويقول ابن خلكان: إن ابن الرومي أخذ من قول الصولي هذا مدحته التي صاغها في الوزير القاسم بن عبيد الله التي فيها:
أصبحت بين خصاصة وتجمل
والحر بينهما يموت هزيلا
فامدد إلي يدا تعود بطنها
بذل النوال وظهرها التقبيلا
وفيه يقول آخر:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدة
وإن عظموا للفضل إلا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشعا
إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعة
وكل جليل عنده متواضع
وحكى الجهشياري أن الفضل بن سهل أصيب بابن له يقال له: العباس، فجزع عليه أشد الجزع، فدخل عليه إبراهيم بن موسى بن جعفر العلوي وأنشده:
خير من العباس أجرك بعده
والله خير منك للعباس
وقال فيه مسلم بن الوليد من قصيدة له:
لو نطق الناس أو أثنوا بعلمهم
ونبأت عن معالي دهرك الكتب
لم يبلغوا منك أدنى ما يمت به
إذا تفاخرت الأملاك وانتسبوا
فأمر له عن كل بيت من هذه القصيدة بألف درهم.
وإنه ليلوح لنا من قراءتنا الطويلة لكتب الأدب والتاريخ أن جماعة الشعراء الذين كانوا يمتدحون البرامكة - وما أكثرهم - هم بأنفسهم الذين امتدحوا آل سهل، واتخذوا منهم برامكة آخرين.
كما يلوح لنا أن لمقولاتهم وقصائدهم في امتداحهم وإظهار قوتهم واستفحال سلطانهم بعض الأثر في نكبتهم؛ لأنه غير معقول البتة أن يمر على المأمون قول مثل قول القائل:
أقمت خلافة وأزلت أخرى
جليل ما أقمت وما أزلتا
من غير أن يترك في نفسه بعض ما كانت تتركه على البرامكة أمثال تلك الأقوال في نفس الرشيد، ومهما قيل عن حلم المأمون وعفوه واعتدال مزاجه وسعة صدره؛ فإن النفس الإنسانية هي هي.
وقد مر بك فيما أجملناه لك من الحوادث التي وقعت في حكم المأمون، أنه جعل في سنة 201ه علي بن موسى العلوي ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرضا من آل محمد
صلى الله عليه وسلم ، وأنه أمر جنده بطرح السواد ولبس الخضرة، وبينا ما كان لذلك من ثورات وفتن لم تهدأ إلا بعد أن عاد إلى مقر ملكه، وأعلم آله وأنصاره بوفاة الرضا، وعاد إلى لبس السواد وهو شعار العباسيين.
ونريد الآن أن نشير هنا إلى ما كان من الفضل بن سهل فيما نحن في صدده، ونعتمد على ما رواه الطبري، قال: إن علي بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء، وأنهم يقولون: إنه مسحور مجنون، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة، فقال المأمون: إنهم لم يبايعوا له بالخلافة وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه، ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك، فقال: ومن يعلم هذا من أهل عسكري؟ فقال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدة من وجوه أهل العسكر، فقال له: أدخلهم علي حتى أسائلهم عما ذكرت، فأدخلهم عليه، وهم: يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن عمران، وموسى وعلي بن أبي سعيد، وهو ابن أخت الفضل، وخلف المصري، فسألهم عما أخبره فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل ألا يعرض لهم فضمن ذلك لهم وكتب لكل رجل منهم كتابا بخطه ودفعه إليهم، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبينوا ذلك له، وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما يعمل عليه، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته، وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله، وأنه أراد نصحه، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة حتى إذا وطأ الأمر أخرج من ذلك كله، وصير في زاوية من الأرض بالرقة قد حظرت عليه الأموال حتى ضعف أمره، فشغب عليه جنده، وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترأ عليه بمثل ما اجترئ به على الحسن بن سهل، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها، وأن طاهرا بن الحسين قد تنوسي في هذه السنين منذ قتل محمد في الرقة لا يستعان به في شيء من هذه الحروب، وقد استعين بمن هو دونه أضعافا، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد؛ فإن بني هاشم والموالي والقواد والجند لو رأوا غرتك سكنوا إلى ذلك، وبخعوا بالطاعة لك.