تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا تجزع على ما فات منها

وأبكى الله عيني من بكاها

وقد قرأنا في كتاب الأغاني ما يستدل منه على أن الحسن بن سهل هو صاحب الوساطة في العفو عن إبراهيم بن المهدي، وذلك يختلف مع ما رواه البعض من أن بوران ابنته هي التي طلبت العفو عنه، وما وراه البعض الآخر من أن طاهر بن الحسين هو صاحب الوساطة.

وتفصيل الرواية: أن الحسن بن سهل دخل على المأمون وهو يشرب فقال له: بحياتي وبحقي عليك يا أبا محمد إلا شربت معي قدحا، وصب له من نبيذه قدحا، فأخذه بيده وقال: من تحب أن يغنيك؟ فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي، فقال له المأمون: غنه يا عم، فغناه:

تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت

يعرض به لما كان لحقه من السوداء أو الاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرا يا أكفر خلق الله لنعمه! والله ما حقن دمك غيره، ولقد أردت قتلك فقال لي: إن عفوت عنه فعلت فعلا لم يسبقك إليه أحد! فعفوت والله عنك لقوله، فحقه أن تعرض به ولا تدع كيدك ولا دغلك! أو أنفت من إيمائه إليك بالغناء! فوثب إبراهيم قائما وقال: يا أمير المؤمنين، لم أذهب حيث ظننت ولست بعائد، فأعرض عنه.

وزارة أحمد بن أبي خالد

يظهر أن المأمون كان قد صدم صدمة عنيفة من وزارة الفضل بن سهل ومن أخيه، لاستبدادهما بجل الأمور من دونه، ويظهر أنه فكر جديا في ألا يستوزر بعد الفضل أحدا، ويقال: إنه لما دعا إليه أحمد بن أبي خالد - وكان أبوه كاتب سر ابن عبيد الله كاتب المهدي ووزيره - قال له: إني كنت عزمت ألا أستوزر أحدا، ثم عرض عليه الوزارة، فتنصل أحمد منها وقال: يا أمير المؤمنين، أعفني من التسمي بالوزارة، وطالبني بالواجب فيها، واجعل بيني وبين العامة منزلة يرجوني لها صديقي ويخافني لها عدوي، فما بعد الغايات إلا الآفات!

وتدل هذه المناقشة، وإن كانت قصيرة، على أن أحمد بن أبي خالد قد وجد العبرة في تاريخ الفضل بن سهل وأمثاله، فرأى أن يكون مقتصدا في مكانته وسلطانه، وقد أعجب المأمون بكلامه واستوزره.

وسترى في كلمتنا المجملة التي عقدناها عن تقدير المأمون للشجاعة الأدبية طرفا من تصرفات أحمد بن أبي خالد وحسن تخلصه في حادثة عمرو بن مسعدة، وكيف كان شجاعا وصادقا، وكيف كان مخلصا للمأمون عاملا على إصلاح ما بينه وبين رجالات دولته.

ويقول صاحب الآداب السلطانية والدول الإسلامية: إن المأمون لما ولي طاهر بن الحسين خراسان استشار فيه أحمد بن أبي خالد، فصوب أحمد الرأي في تولية طاهر، فقال المأمون لأحمد: إني أخاف أن يغدر ويخلع ويفارق الطاعة، فقال أحمد: الدرك في ذلك علي - ويجب أن نشير هنا إلى ما جاء بكتاب عيون الأخبار عن دقة المأمون في مثل هذا الموقف، فإن المعلى بن أيوب أحد المعاصرين يحدثنا عن ذلك بقوله: سمعت المأمون يقول: من مدح لنا رجلا فقد تضمن عيبه - فولاه المأمون، فلما كان بعد مدة أنكر عليه المأمون أمورا وكتب إليه كتابا يتهدده فيه، فكتب طاهر جوابا أغلظ فيه للمأمون، ثم قطع اسمه من الخطبة ثلاث جمع، فبلغ ذلك المأمون فقال لأحمد بن أبي خالد: أنت الذي أشرت بتولية طاهر وضمنت ما يصدر منه، وقد ترى ما صدر منه من قطع الخطبة ومفارقة الطاعة، فوالله لئن لم تتلطف لهذا الأمر وتصلحه كما أفسدته وإلا ضربت عنقك! فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، طب نفسا؛ فبعد أيام يأتيك البريد بهلاكه، ثم إن أحمد بن أبي خالد أهدى لطاهر هدايا فيها كواميخ مسمومة - وكان طاهر يحب الكامخ

2 - فأكل منها فمات من ساعته.

3

فإن صحت هذه الرواية دلت على أن المأمون ورجاله لم يكونوا قد صرفوا أنفسهم يومئذ عن التذرع إلى الخلاص من بعض رجال الدولة بالقضاء على حياتهم.

قال الفخري: إن أحمد بن أبي خالد لما تولى طاهر خراسان حسب هذا الحساب؛ فوهب له خادما وناوله سما وقال له: متى قطع خطبة المأمون فاجعل له هذا السم في بعض ما يحب من المآكل، فلما قطع طاهر خطبة المأمون جعل الخادم له السم في كامخ، فأكل منه فمات في ساعته، ووصل الخبر على البريد بموته إلى المأمون بعد أيام، فكان ذلك مما عظم به أمر أحمد بن أبي خالد. فتأمل طريقة التخلص من الزعماء في ذلك الحين، ولاحظ كيف كانت عندهم خاتمة الحياة لمن يتبرمون لهم من كبار القواد والوزراء، ولتعلل بعد ذلك لم أقفرت البلاد من قادتها وكماتها، ولم أضحت الكلمة النافذة فيما بعد للغلمة الأتراك وغيرهم من الغرباء!

عصر المأمون · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٣٢