تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما أصبحت تجمع إليها جيش جاويدان فقالوا: كيف لم يدع بنا ويوص إلينا؟! قالت: ما منعه من ذلك إلا أنكم كنتم متفرقين في منازلكم من القرى، وأنه إن بعث وجمعكم انتشر خبره، فلم يأمن عليكم شرة العرب، فعهد إلي بما أنا أؤديه إليكم إن قبلتموه وعملتم به، فقالوا لها: قولي ما عهد إليك؛ فإنه لم تكن منا مخالفة لأمره أيام حياته، وليس منا مخالفة له بعد موته ، قالت: قال لي: إني أموت في ليلتي هذه، وإن روحي تخرج من جسدي وتدخل بدن هذا الغلام خادمي، وقد رأيت أن أملكه على أصحابي، فإذا مت فأعلميهم ذلك، وإنه لا دين لمن خالفني فيه واختار لنفسه خلاف اختياري، قالوا: قد قبلنا عهده إليك في هذا الغلام! فدعت ببقرة فأمرت بقتلها وسلخها وبسط جلدها، وصيرت على الجلد طستا مملوءا خمرا وكسرت فيه خبزا، فصيرته حوالي الطست، ثم دعت برجل رجل فقالت: طأ الجلد برجلك، وخذ كسرة واغمسها في الخمر وكلها وقل: آمنت بك يا روح بابك كما آمنت بروح جاويدان، ثم خذ بيد بابك فكفر عليها وقبلها، ففعلوا ذلك إلى وقت ما تهيأ لها فيه طعام، ثم أحضرتهم الطعام والشراب وأقعدته على فراشها، وقعدت معه ظاهرة لهم، فلما شربوا ثلاثا ثلاثا أخذت طاقة ريحان فدفعتها إلى بابك، فتناولها من يدها، وذلك تزويجهم، فنهضوا وكفروا لهما رضا بالتزويج، والمسلمون غريبهم ومواليهم. •••

وبعد، فإنا نستطيع أن نقول مستندين إلى ما ذكره ابن النديم وغيره عن نشأة بابك ومذهبه وتعاليمه: إن الباعث الذي دفعه إلى الخروج غير البواعث التي دفعت نصر بن شبث في الشام، وإبراهيم بن المهدي في بغداد، ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا في الكوفة، وغيرهم ممن كانوا منقادين بفكرة سياسية أو عامل جنسي، وإنما كان خارجا على النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ذلك العصر، وكذلك كانت وجهة نظر بغداد في قتاله ومطاردته.

أجل! لم تكن الغاية في نظر بغداد من قتاله إخضاعه لسلطان الخلافة، حتى إذا أتيح لها إخضاعه رضيت عنه وكفت القتال دونه، وإنما كانت الغاية التي ترمي إليها القضاء على مذهبه وتعاليمه الضارة بنظم الحياة والاجتماع.

وربما جاز لنا أن نقول: إن موقفه من الخلافة الإسلامية في ذلك العصر أشبه شيء بموقف البلاشفة من الأمم المتحضرة في عصرنا الحاضر.

وهاك ما فعله الخليفة المأمون مع بابك والبابكيين بعد ما عاثوا في الأرض فسادا وأخافوا السبل وأثاروا الاضطراب، بعث المأمون لمحاربتهم بعد أن انتقل إلى بغداد يحيى بن معاذ ، فكانت بينهما وقعة لم يتح الفوز فيها لأحدهما على الآخر، ثم اختار المأمون قائدا آخر هو عيسى بن محمد، فولاه أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك، فنكب وفشل، ثم وجه إليه صدقة بن علي المعروف بزريق، وندب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، ثم بعث إليه محمد بن حميد الطوسي فقتله بابك سنة 214ه بهشتادسر وفض عسكره وقتل جمعا كثيرا ممن كان معه.

وهكذا كان أمر بابك؛ كلما وجهت إليه حملة هزمها؛ لمكانه الحصين وقوته الكبيرة وشدة تأثيره في قلوب أتباعه وأنصاره، وأخيرا انصرف عنه المأمون لانشغاله بمناوأة الروم، حتى إذا شعر بدنو منيته كتب في وصيته إلى المعتصم بشأن بابك يقول:

والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود، من الفرسان والرجالة، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك مقدم النية فيه راجيا ثواب الله عليه.

وقد عظم خطر بابك وكثر الداخلون في مذهبه في أول عهد المعتصم سنة 218ه، وما زال به المعتصم يجرد إليه الحملات تلو الحملات حتى انتهى أمره في سنة 221ه بأسره، وقتله ب «سر من رأى»، هو ورهط من أتباعه، على يد قائد المعتصم التركي العظيم حيدر بن كاوس الأشروستي المعروف بالأفشين.

عصر المأمون · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٢٤