تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر صاحب الفهرست بعد ذلك نشأته وما وقع له في بدء أمره حتى صار إمام هذه النحلة التي تنسب إليه، نقلا عن واقد بن عمرو التميمي الذي عمل أخبار بابك، فقال: وكان أبوه رجلا من أهل المدائن دهانا، نزع إلى ثغر أذربيجان فسكن قرية تدعى «بلال أباد» من رستاق «ميمند»، وكان يحمل دهنه في وعاء على ظهره ويطوف في قرى الرستاق، فهوى امرأة عوراء، وهي أم بابك، وكان يفجر بها برهة من دهره، فبينما هي وهو منتبذان عن القرية متوحدان في غيضة ومعهم شراب يعتكفان عليه، إذ خرج من القرية نسوة يستقين الماء من عين في الغيضة، فسمعن صوتا نبطيا يترنم به فقصدن إليه، فهجمن عليهما فهرب عبد الله وأخذن بشعر أم بابك، وجئن بها إلى القرية وفضحنها فيها، قال واقد: ثم إن ذلك الدهان رغب إلى أبيها فزوجه منها فأولدها «بابكا»، ثم خرج في بعض سفراته إلى جبل سيلان واعتراضه من استقفاه وجرحه فقتله، فمات بعد مديدة، وأقبلت أم بابك ترضع للناس بأجرة إلى أن صار لبابك عشر سنين، فيقال: إنها خرجت في يوم من الأيام تلتمس بابكا وكان يرعى بقرا لقوم، فوجدته تحت شجرة قائلا وهو عريان، وإنها رأت تحت كل شعرة من صدره ورأسه دما، فانتبه من نومه فاستوى قائما وحال ما رأت من الدم فلم تجده، قالت: فعلمت أنه سيكون لابني نبأ جليل.

قال واقد: وكان أيضا بابك مع الشبل بن المنقى الأزدي برستاق سراة يعمل في سياسة دوابه، وتعلم ضرب الطنبور من غلمانه ثم صار إلى تبريز من عمل أذربيجان، فاشتغل مع محمد بن الرواد الأزدي نحو سنتين ثم رجع إلى أمه وله ثمان عشرة سنة، فأقام عندها، قال واقد بن عمرو: وكان بجبل البذ وما يليه من جباله رجلان من العلوج متحرمين ولهما جدة وثروة، وكان متشاجرين في التملك على من بجبال البذ من الخرمية ليتوحد أحدهما بالرياسة، يقال لأحدهما: «جاويدان بن سهرك»، والآخر غلبت عليه الكنية يعرف ب «أبي عمران»، وكانت تقوم بينهما الحرب في الصيف وتحول بينهما الثلوج في الشتاء لانسداد العقاب، فإن جاويدان، وهو أستاذ بابك، خرج من مدينته بألف شاة يريد بها مدينة رنجان من مدائن ثغور قزوين، فدخلها وباع غنمه وانصرف إلى جبل البذ، فأدركه الثلج والليل برستاق ميمند، فعاج إلى قرية «بلال أباد» فسأل جريرها إنزاله، فمضى به بالاستخفاف منه بجاويدان فأنزله على أم بابك وما تستبيت من ضنك وعدم، فقامت إلى نار فأججتها ولم تقدر على غيرها، وقام بابك إلى غلمانه ودوابه فخدمهم وأسقى لهم الماء، وبعث به جاويدان فابتاع له طعاما وشرابا وعلفا وأتاه به، وخاطبه وناطقه فوجده على رداءة حاله وتعقد لسانه بالأعجمية فهما، ورآه خبيثا شهما، فقال لأمه: أيتها المرأة، أنا رجل من جبل البذ ولي به حال ويسار، وأنا محتاج إلى ابنك هذا؛ فادفعيه إلي لأمضي به معي فأوكله بضياعي وأموالي وأبعث بأجرته إليك في كل شهر خمسين درهما، فقالت له: إنك لشبيه بالخير، وإن آثار السعة عليك ظاهرة، وقد سكن قلبي إليك، فأنهضه معك إذا نهضت. ثم إن أبا عمران نهض من جبله إلى جاويدان فحاربه فهزم، فقتل جاويدان أبا عمران ورجع إلى جبله وبه طعنة أخافته، فأقام في منزله ثلاثة أيام ثم مات - وكانت امرأة جاويدان تتعشق بابكا، وكان يفجر بها - فلما مات جاويدان قالت له: إنك جلد شهم! وقد مات ولم أرفع بذلك صوتي إلى أحد من أصحابه، فتهيأ لغد، فإني جامعتهم إليك، ومعلمتهم أن جاويدان قال: إني أريد أن أموت في هذه الليلة، وإن روحي تخرج من بدني وتدخل في بدن بابك وتشترك مع روحه، وإنه سيبلغ بنفسه وبكم أمرا لم يبلغه أحد ولا يبلغه بعده أحد، وإنه يملك الأرض ويقتل الجبابرة ويرد المزدكية، ويعز به ذليلكم ويرتفع به وضيعكم، فطمع بابك فيما قالت له واستبشر به وتهيأ له.

عصر المأمون · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٢٣