تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مذاهب ونحل

ويحسن بنا أن نشير هنا إلى أن هذا العصر من العصور الإسلامية قد كثر فيه الاختلاط بين أمم الشرق والغرب، فظهرت في العالم الإسلامي مقالات دينية وفلسفية كثيرة غريبة، أشار إليها مؤرخو الآراء والمذاهب، تجد طرفا منها في فهرست ابن النديم، وطرفا في كتب «الملل والنحل»، وطرفا في كتاب الأستاذ «برون» الذي وضعه عن «تاريخ الفرس الأدبي»، ففيه شيء عن المانية

12

وغيرها، وقد وقف أبو العلاء المعري عند هذه الآراء والمذاهب في «رسالة الغفران» وقفة ممتعة.

على أنا لا نحب أن نعرض لهذه المقالات بشرح أو تفصيل؛ لأنا نحس إحساسا صادقا، وربما كنا فيه على حق، أن الكثير من هذه الآراء والمذاهب لا يزال غامضا لقلة النصوص وعدم غناء المصادر وكفايتها، ونظن أن الاحتياط في مثل هذا الموقف أسلم وأبقى، وكل ما نأمله هنا ونرجوه حقا أن يتجرد لمثل هذا البحث الممتع النافع بعض الذين يعنون بتاريخ الآراء والمذاهب الفلسفية والدينية في الإسلام.

افتراضات

أما وقد انتهينا من كلمتنا الموجزة عن السياسة الداخلية في عصر المأمون، فقد حق علينا أن نتساءل: لماذا مكث المأمون شطرا طويلا من سني حكمه في خراسان دون بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية؟

أما أن نزعم لك أنا سنجيبك إجابة دقيقة مقنعة، فهذا ما لا نقبله لك ولا لأنفسنا؛ لأن المصادر التي بين أيدينا لم تكشف لنا القناع عن وجه الصواب في ذلك.

إذن فسنقدم لك آراء لنا في هذا الصدد يجدر بنا أن نعتبرها بمثابة افتراضات لا أكثر ولا أقل.

نفترض أن الفضل بن سهل وجماعة الفضل بن سهل، وحولهم حولهم وسلطانهم سلطانهم، آثروا بقاء المأمون في «مرو» عاصمة خراسان حيث تجبى أموال الدولة إليه؛ ليكون نصيب البقاع الفارسية والشيعة الفارسية من هذه الأموال أوفر.

ونفترض أن المأمون وجماعته كانوا يحسون إحساسا، ربما كان صادقا، أن كبار رجالات الدولة من العرب القاطنين بغداد لم يكن هواهم مع دولته الفارسية الطابع والميول، وأنهم كانوا لذلك يخشون النزوح إلى بغداد قبل لم شعثهم وتقوية سلطانهم.

ونفترض أنهم آثروا القرب من الولايات التي تمدهم بجندها ورجالها، كما آثروا أن يكونوا في أوساطهم الفارسية التي من مصلحتها نصرة المأمون وتوطيد دعائم ملكه، والعمل على خذلان مناوئيه.

هذه افتراضات رأينا أن نقيدها لك لتتأمل فيها، فربما كان بعضها سائغا معقولا، على أن تكون حذرا كل الحذر فلا تتورط في اعتبار كل فرض سائغ معقول لازم الوقوع في التاريخ، فكثيرا ما يقع في التاريخ غير المعقول من الحوادث. (3) السياسة الخارجية

نعتقد أن الوقت لم يأن بعد لدرس السياسة الخارجية في أيام المأمون وغيره من خلفاء المسلمين دراسة علمية محققة؛ ذلك لأن كل ما نعرف من أمر هذه السياسة إنما هو الروايات العربية التي تناقلها المؤرخون متأثرين بأشياء كثيرة.

فقد كان الكثيرون من هؤلاء الرواة يجهلون لغات الأمم الأجنبية التي كانت العلاقات متصلة بينها وبين المسلمين، كما كانوا متأثرين بالحرص على رفع شأن الدولة الإسلامية والتنويه بمجدها وسلطانها؛ فاضطرها هذا كله إلى الغلو حينا، وإلى التقصير حينا آخر.

ولم يظفر البحث بعد بنصوص تاريخية واضحة معاصرة كتبت في غير اللغة العربية، ومع أن الباحثين في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية «الروم» جادون في التنقيب على النصوص والآثار التي تجلو تاريخ هذه الدولة في القرون الوسطى، فهم لم يصلوا بعد إلى شيء ذي غناء فيما يمس علاقتها بالدول الإسلامية، فأما الأمم الشرقية الأخر التي كانت على اتصال بالمسلمين فلم تترك لنا شيئا، أو لم نظفر من آثارها التاريخية بشيء ذي قيمة، وإذن فنحن مضطرون إلى أن نعتمد اعتمادا مؤقتا ملؤه الاحتياط والتحفظ على ما كتبه العرب.

ونحن نعلم أن السياسة الخارجية في عصر المأمون كانت تنقسم إلى قسمين متمايزين: الأول سياسته مع دول إسلامية مستقلة عن الخلافة. والثاني سياسته مع دول أجنبية غير إسلامية.

عصر المأمون · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٢٥