تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد خرج المأمون إلى مصر في 16 من ذي الحجة سنة 216 هجرية أثر شخوصه إلى دمشق للمرة الثانية، وكان خروجه إلى مصر، فيما يقول الرواة، لإخماد ما قام فيها من فتن واضطرابات، وذلك أن أهالي الوجه البحري خرجوا ومعهم أقباط البلاد على عيسى بن منصور عامل مصر؛ لسوء سيرته فيهم ولقبح صنيعه معهم.

ويحدثنا التاريخ أن عيسى هذا قد بذل ما في مقدوره لإخماد الفتنة والقضاء على الثورة، فلم يحالفه الظفر، وأخرجه الثوار أقبح مخرج من البلاد، فقدم القائد التركي المعروف بالأفشين وعمل على قمع الفتنة وإخماد الثورة، وقتل مقتلة ذريعة من الأهلين فسكنت الفتنة إلى حين.

ثم عادت الفتنة ثانية واندلع لهيبها واستدعت خطورتها قدوم المأمون إلى مصر، فجاء إليها ونظر في شكاة الأهلين وعمل على إنصافهم، وسخط على عيسى بن منصور ونسب إليه وإلي سيئ أعماله كل ما حدث في طول البلاد وعرضها من فتن وثورات.

ويظهر أن الثورة المصرية لم تخمد تماما، وأنها تطلبت من المأمون إلى جانب ما أظهره من رغبة في إحقاق الحق وإجراء العدل شيئا من الحزم واستعمال القوة، فجاد الثائرين القتال حتى أذعنوا أخيرا، ويقول المؤرخون: إنه لبث في مصر أربعين يوما أو يزيد؛ إذ قدمها في الخامس من محرم سنة 217ه وبقي بها إلى الثامن عشر من صفر.

ويظهر أنه قضى هذه المدة إلى جانب اشتغاله بحرب أهلها بالتنقل بين العاصمة وبعض الأعمال مثل سنجار وحلوان وغيرهما.

ومن أعماله في مصر تعمير مقياس النيل وبعض إصلاحات أخرى بالجزيرة تجاه الفسطاط. وعاد المأمون أخيرا إلى دمشق بعد أن شهد المصريين وخربهم وعدم احتمالهم ظلم الحكام والولاة.

بابك الخرمي

يخبرنا المؤرخون أن بابك الخرمي قد ظهر من كورة في شمال بلاد فارس تسمى «البذ»، وقد كان خروجه للدعوة إلى مذهبه الإباحي سنة 201ه، وكان المأمون لا يزال في «مرو» قبل أن ينتقل إلى عاصمة ملكه بغداد، وقد امتدت فتنة بابك عنيفة طوال عهد المأمون وصدرا من عهد المعتصم.

وقال أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي في كتاب الإنساب: «الخرمي»

11

هذه النسبة إلى طائفة من الباطنية يقال لهم الخرمدينية، قوم يدينون بما يريدون ويشتهون، وإنما لقبوا بذلك لإباحتهم المحرمات من الخمر وسائر اللذات ونكاح ذوات المحارم وفعل ما يتلذذون به، فلما شابهوا في هذه الإباحة المزدكية من المجوس الذين خرجوا في أيام قباذ وأباحوا النساء كلهن وأباحوا سائر المحرمات إلى أن قتلهم أنوشروان بن قباذ، قيل لهم بهذه المشابهة خرمدينية كما قيل للمزدكية.

وقبل أن نخوض في تفصيل حوادث هذا الرجل وما بذله المأمون ثم المعتصم في قتاله، ثم ما كان من مصيره بعد ذلك على يد الأفشين قائد المعتصم التركي سنة 221ه، قبل كل هذا نحب أن نورد لك ما ذكره ابن النديم في فهرسته عن مذهب الخرمية البابكية وما يتعلق به؛ لتكون على بصيرة من مذهب الرجل وما كان يدعو إليه من نحلة وبدعة.

قال محمد بن إسحاق: «الخرمية صنفان: الخرمية الأولون ويسمون المحمرة، وهم منتشرون بنواحي الجبال فيما بين أذربيجان وأرمينية، وبلاد الديلم وهمذان ودينور، وفيما بين أصفهان وبلاد الأهواز، وهؤلاء أهل مجوس في الأصل ثم حدث مذهبهم، وهم ممن يعرف باللقطة، وصاحبهم مزدك القديم أمرهم بتناول اللذات والانعكاف على بلوغ الشهوات، والأكل والشرب والمواساة والاختلاط، وترك الاستبداد بعضهم على بعض، ولهم مشاركة في الحرم والأهل لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر ولا يمنعه، ومع هذه الحال فيرون أفعال الخير وترك القتل وإدخال الآلام على النفوس، ولهم مذهب في الضيافات ليس هو لأحد من الأمم؛ إذا أضافوا الإنسان لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائنا ما كان، وعلى هذا المذهب مزدك الأخير الذي ظهر في أيام قباذ بن فيروز وقتله أنوشروان وقتل أصحابه، وخبره مشهور معروف. وقد استقصى البلخي أخبار الخرمية ومذاهبهم وأفعالهم في شربهم ولذاتهم وعبادتهم في كتاب «عيون المسائل والجوابات» ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قد سبقنا إليه غيرنا». «فأما الخرمية البابكية فإن صاحبهم بابك الخرمي، وكان يقول لمن استغواه: إنه إله، وأحدث في مذاهب الخرمية القتل والغصب والحروب والمثلة، ولم يكن الخرمية يعرفون ذلك.»

عصر المأمون · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٢٢