تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر أنهم كما يقول الأستاذ المرحوم محمد الخضري بك: كانوا إذا أخرجهم الجند تفرقوا في تلك الفيافي، فإننا نرى المأمون يكلف غير مرة أكثر من قائد أمر القضاء عليهم، ثم نراهم لا يزالون يعيثون في الأرض فسادا حتى السنة الأولى من عهد المعتصم الذي كلف أحد قواده، عجيف بن عنبسة، القضاء عليهم، فاهتم عجيف بحربهم وضيق عليهم طريق البر والبحر وحصرهم من كل وجه، ثم حاربهم وأسر منهم نحو خمسمائة رجل، وقتل منهم نحو ثلاثمائة، وقطع رءوس الأسرى وبعث بالرءوس جميعا إلى المعتصم، وجد في حربهم حتى اضطرهم إلى التسليم، فإذا عدتهم سبعة وعشرون ألف شخص بين رجل وامرأة وصبي، وكان من هذا العدد اثنا عشر ألف مقاتل، ثم حملهم في السفن إلى بغداد، فمروا على المعتصم بأبواقهم وهيئتهم الحربية ثم نقلوا آخر الأمر إلى قرية تسمى عين زربة.

8

وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 241ه في عهد المتوكل أن الروم أغارت على عين زربة هذه فأخذت من كان فيها أسيرا من الزط مع نسائهم وذراريهم وذويهم.

ثورة مصر

أما مصر فقد كانت مسرحا للقلاقل والفتن، وكان رأس الفتنة وزعيمها عبيد الله بن السري بن الحكم الذي عظم خطره باشتغال عبد الله بن طاهر بمحاربة نصر بن شبث وإخضاعه، ومما زاد في اضطراب النظام في مصر قدوم جماعة من أفاقي الأندلس إلى الإسكندرية يحدثنا عنهم الطبري بقوله: حدثني غير واحد من أهل مصر أن مراكب أقبلت من بحر الروم من قبل الأندلس فيها جماعة كبيرة أيام شغل الناس قبلهم بفتنة الجروي وابن السري، حتى أرسوا مراكبهم بالإسكندرية، ورئيسهم يومئذ يدعى أبا حفص، فلم يزالوا بها مقيمين حتى قدم عبد الله مصر.

ويحدثنا عن الفتنة التي كانت بمصر بقوله: قال لي يونس بن عبد الأعلى: قدم علينا من قبل المشرق فتى حدث، يعني عبد الله بن طاهر، والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس منهم في بلاء، فأصلح الدنيا وأمن البريء وأخاف السقيم واستوثقت له الرعية بالطاعة.

أما ما كان من أمر عبد الله بن طاهر في مصر، فإن التاريخ يحدثنا أنه لما انتهى أمر نصر بن شبث، كما قدمنا، كتب المأمون إلى عبد الله يأمره بالتوجه إلى مصر لإخماد ما فيها من فتنة، فذهب إليها وجاد الثائرين القتال حتى اضطرهم جميعا إلى طلب الأمان فأجابهم إليه.

وأما الأندلسيون الذين حضرت جماعة كبيرة منهم إلى الإسكندرية فقد طلبوا الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم، فرحلوا إلى جزيرة إقريطش «كريت» فاستوطنوها وأقاموا بها.

وأما ما كان من ابن السري فإنه طلب الأمان إلى عبد الله، وذلك بعد قتال عنيف وانهزامه شر هزيمة.

ولما أخمدت الفتنة في مصر وبلغ المأمون الخبر كتب إلى عبد الله يهنئه، وجعل في أسفل كتابه أبياتا من الشعر إن ثبت صدورها من المأمون حقا ولم تكن من وضع القصاص والرواة، فإنها تعتبر آية في كرم أخلاق المأمون. وقد ذكرناها في علاقة المأمون مع عماله.

وقد كتب إليه أحمد بن يوسف وزير المأمون يهنئه بهذا الفوز كتابا بليغ اللفظ رشيق الأسلوب هذه نسخته:

بلغني، أعز الله الأمير، ما فتح الله عليك وخروج ابن السري إليك، فالحمد لله الناصر لدينه، المعز لدولة خليفته على عباده، المذل لمن عند

9

عنه وعن حقه، ورغب عن طاعته، ونسأل الله أن يظاهر له النعم، ويفتح له بلدان الشرك، والحمد لله على ما وليك مذ ظعنت لوجهك، فإنا ومن قبلنا نتذاكر سيرتك في حربك وسلمك، ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة والليان في مواضعهما، ولا نعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه

10

وأضغنه عفوك، ولقلما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متكلا على ما قدمت له أبوته، ومن أوتي حظا وكفاية وسلطانا وولاية لم يخلد إلى ما عفا له حتى يخل بمساماة ما أمامه، ثم لا نعلم سائسا استحق النجح لحسن السيرة وكف معرة الأتباع استحقاقك، وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك أحدا يهوي عند الحاقة والنازلة المعضلة، فليهنك منة الله ومزيده، ويسوغك الله هذه النعمة التي حواها لك، بالمحافظة على ما به تمت لك، من التمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملاك وإيانا العيش ببقائه، وأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قبلنا مكرما مقدما معظما، وقد زادك الله في أعين الخاصة والعامة جلالة وبجالة، فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويعدونك لأحداثهم ونوائبهم، وأرجو أن يوفقك الله لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه، فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك ولم تزدد إلا تذللا وتواضعا، فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك وأودع فيك. والسلام.

عصر المأمون · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٢١