تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد امتاز برونتيير ميزة خاصة بمذهبه الأدبي، وأصبح إماما ومخترعا لمذهب علمي أدبي؛ فقد انتحل من مذهب دارون العلمي مذهب «التدرج والارتقاء» مذهبا أدبيا هو مذهب «التدرج الأدبي»؛ فقد رأى أن الأنواع الأدبية من وجدانيات، واجتماعيات، وشعر، ونثر تمثيلي، تنقسم إلى فصائل كما في علم النبات والحيوان، وأنه يجري عليها قانون التدرج والارتقاء الذي يجري على الأنواع الحية سواء بسواء، ويرى أن لها أطوارا تتخطاها كأطوار النبات والحيوان، فقال: «إن الأنواع الأدبية ككل شيء حي في هذا الوجود، تولد لتموت ولتدركها الشيخوخة على حسب ما تلد وتنتج من المؤلفات النافعة الممتعة. ومثل ذلك مثل من ينسخ كتابا على كتاب آخر، وينسخ من هذا كتابا ثانيا، ومن الثاني ثالثا وهكذا؛ فتكون كل نسخة تابعة لما قبلها مع شيء من التحريف، إلى أن تكون النسخة الأخيرة كأنها غير الأولى، أو كأنما كتبها أحد تلاميذ المؤلف ولم يؤلفها أستاذ حاذق.» قال: «وهكذا تفنى الأنواع الأدبية مهما حاول الكتاب حفظها وبلوغها إلى درجة الإتقان أو ما يقرب منه.» ويقول: «كما أن العقول تتشابه فتتآلف، وتتناكر فتتخالف، كذلك المؤلفات الأدبية التي هي نتاج العقول، تكون أنواعا قريبة أو بعيدة من بعضها، وإن هذه الأنواع لازمة للمجموعات الأدبية، وإن لها حياة خاصة وصناعة خاصة بكل واحد منها، توجد وتتوالد في الأفكار توالدا ساذجا أوليا، ثم تتكون ويتم تكونها شيئا فشيئا، وتنمو كما ينمو الحيوان والنبات إلى أن تنضج، ثم تقف برهة من الزمن حافظة حياتها إلى أن تدركها الشيخوخة، ثم تتحول إلى نوع آخر فتحيا مرة أخرى وهكذا ...»

وعنده أن تاريخ البلاغة عبارة عن تتبع هذه الأنواع في جميع أطوارها وأعمارها، وفي جميع أدوار حياتها وتقلباتها. قال: «وهذا ما يحمل على الظن بأن تاريخ البلاغة يمكن أن يكون علما من العلوم. وعلى هذا المذهب يمكن أن نفسر ما يعتري بعض الأنواع الأدبية من الوقوف والانحطاط، وما يدعوها إلى الظهور مرة أخرى» (كما حصل في الشعر الوجداني في فرنسا، فقد مر به نحو قرنين وهو في حالة موت ونزاع، ثم انتشر انتشارا غريبا، وحيي حياة أخرى في أوائل القرن التاسع عشر بحال لم تكن له في حياته الأولى، وكاد يكون النوع الوحيد في البلاغة الفرنسية، ومثل ذلك يقال في غيره من الأنواع). ومن الأمثلة على مذهبه: أن القصص الطويلة الموجودة الآن أصلها حكايات قصيرة جاءت من المحادثات، ثم تكونت وكبرت شيئا فشيئا إلى أن أصبحت إلى ما هي عليه الآن، وتولدت من ذلك أنواع كثيرة، وكان يتغلب في كل زمن نوع منها على غيره، ثم يظهر منه نوع آخر يمحو النوع الأول.

هذا المذهب هو القول بأن الأفكار الإنسانية والفنون جميعها مرتبة ترتيبا طبعيا، فصائل فصائل، ومجموعات متحدة الجنس، كفصائل النبات والحيوان، وأن لكل مجموعة قوانين ونظامات وسلسلة حياة خاصة تولد وتعيش وتموت ، وأن هذه الأنواع إذا بلغت ذروة مجدها تحولت إلى أنواع أخر، كما يتحول النبات والحيوان، أو وقفت برهة من الزمن ثم عادت إليها حياتها ... إذا تم بناء هذا المذهب كان من أعظم مذاهب النقد، التي تساعد على دراسة تاريخ البلاغة، وكشف مخبأ أنواع الكلام، وترتيب وتبويب ضروب الكتابات، وجعلها خاضعة لقوانين عامة كالأنواع الحية والمسائل العلمية؛ وعلى ذلك يصبح النقد الأدبي علما من العلوم لا فنا من الفنون كما هو الآن. ولكن ذلك لم يتحقق بعد، وربما لن يتحقق أبدا؛ لأن الأدب فن لا علم.

هذا المذهب العلمي البحت يخالفه وينازعه مذهب آخر في النقد، وهو مذهب التأثير والانفعال

Impressionisme ، الذي من أئمته ودعاته «جول لمتر»، وهو من كبار الكتاب الحذاق والنقاد الشهيرين، ومذهبه من أشهر المذاهب الأخيرة في النقد؛ لأن الرجل مات سنة 1914.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٤١