تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا شك في أن الآداب السامية غير الآداب الآرية، وأن العقول والأفكار عند الساميين غيرها عند الآريين. ولكن أليس معنى ذلك أن تصور السامي وتربيته وتعليمه غيرها عند الآري؟ وهل ذلك غير أثر البيئة وتأثير الإقليم؟ فإذا كان الشعر العربي غير الشعر اليوناني مثلا؛ فذلك لأن حياة العربي حملته على هذا النوع من الخيال. وربما كانت هناك أسباب تاريخية واجتماعية جعلته لا يتصور ولا يفهم إلا على هذا النحو. وربما لم يكن العربي في حاجة إلى أنواع الحكومات المنتظمة والقوانين المسنونة؛ لأنه كان يعيش عيشة ابن السبيل، ولو كان ذلك ضروريا لحفظ حياته ونظامها، لحملته الضرورة على الفكر والاستنباط والابتكار لمثل هذه الأشياء.

وسواء أصح مذهب تين أم لم يصح في أثر الجنس في الأمم، فمما لا نزاع فيه أننا نجد اختلافات ظاهرة في الأمم المختلفة من حيث العلوم والمعارف، ومن حيث التصور والإدراك. وهذا كله يظهر في آداب الأمم وبلاغاتها؛ لأن الأدب تابع لكل هذه المؤثرات، فهو يتغير بتغيرها ويتشكل بأشكالها؛ لأنه صورة عامة من صور الأمم وحياتها، وذلك كله تابع لاختلاف الفطر وأسبابها في الإنسان.

| مذهب التدرج والانتقال في أنواع البلاغة

فرديناند برونتيير هو صاحب هذا المذهب،

1

ويجدر بنا أن نجمل آراءه ومذهبه فيما يأتي:

تربى برونتيير تربية علمية، وسارت أفكاره وآراؤه في طريق علمي حتى في مذهبه الأدبي وفي طريقته في النقد؛ ولذلك لم يكن يميل إلا إلى الوضوح والصراحة، ولا يعجب إلا بالآراء السليمة الصحيحة، وعمل على إصلاح كثير من الأفكار السقيمة التي كانت منتشرة في الآداب، وكان يقول: «إن الأفكار قوة ذات أثر، وإن البلاغات شيء آخر غير نوع من التسلية واللهو.» وكان يرى أن البلاغة «الشخصية»، أي الكتابات التي منشؤها ميول الكتاب وأهواؤهم بدون نظر إلى المجتمع ولا إلى النفوس العامة، ليست إلا ضربا من الأهواء والشهوات النفسية، فإنها خطر على الأخلاق وعلى البلاغة نفسها، ولأنها لا تمثل شيئا من الحياة الاجتماعية العامة، التي هي حياة الآداب والبلاغات؛ ولذلك كان ضد مذهب الوجدانيات

Romantisme ، ولهذا أيضا أحب ألا يكون مذهبه في النقد مذهبا شخصيا؛ كي لا يحكم على الكتابات بذوقه الخاص، أو بما يحدثه في نفسه أثر القراءة، بل أراد أن يضع مذهبا عاما للنقد، مبنيا على أساس علمي وعلى الموازنة بالكتابات الشهيرة، لا لأنها نموذج ونظام فريد، بل لأنها أمثلة تدل على طرق الإتقان في الفكر والصناعة. وكان لا يهمه من القراءة أن يعجبه ما يقرأ، بل صحة ما فيها من الأفكار والآراء والافتنان والصناعة، لكبار الكتاب، ثم يتساءل بعد ذلك: «هل للكاتب غرض يرمي إليه؟ وهل من غرضه أن يهدي القراء إلى فضيلة من الفضائل؟» لأنه لا يرى غرضا جديرا بالكتابة، ذا قيمة حقيقية لأي نوع من أنواع البلاغة، إلا إذا كان يؤدي إلى نوع من أنواع التهذيب، أو يرشد إلى فكرة نافعة في الاجتماع؛ لذلك كان يحارب مذهب القائلين: إنه يلزم النظر إلى الفنون من حيث إنها فنون

L’Art pour L’Art

لأنه كان يرى أن الكتابة الأدبية يجب أن تترك في نفس القارئ أثرا نافعا، وأن الحذاق وأصحاب الفنون لا يستحقون هذه الألقاب إلا إذا استعملوا الفنون وسيلة تساعد على نمو «الإنسانية» في الإنسان.

وقسم الفنون إلى فنون عظيمة وفنون حقيرة، فإن من الفنون ما ليس إلا ضربا من اللهو واللعب والتسلية، وهي مع ذلك تأخذ بالألباب وتسحر العقول بجمالها وبلاغتها، ومنها ما هو جدي متين ممتع.

2

أما طريقته في النقد، فكان يرى أنه يجب الاهتمام بإظهار عيوب الكتاب أو الشعراء قبل الاهتمام بإظهار محاسنهم؛ لأن العيوب هي ضرب من المحاسن في نظر الكاتب أخطأ في فهمها، فمن المفيد في النقد تمييزها من المحاسن الحقيقية؛ فالذي يتعمد إظهار عيوب الكتاب هو في الحقيقة يعمل على إظهار محاسن الكتابة، كما أنه يعمل على تجنب العيوب بإظهارها وشرح الوسائل والأسباب التي دعت إليها؛ وعلى ذلك فالنقد الذي من غرضه البحث عن عيوب الكاتب يقصد إلى إظهار قواعد البلاغة الصحيحة ومحاسن الكتاب التي يجب اتباعها، هذا هو أصل طريقته في النقد، وكان يعمل على تأييد فكرته ومذهبه بعزم صادق وحجة قوية وصراحة نادرة، فقد كان من أكبر الرجال الذين خصوا بقوة الجدل وحب المخاصمة والمناقشة؛ ولذلك كثر أعداؤه، ولم يكن له من الأصدقاء إلا تلاميذه وقليل من إخوانه.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٤٠