| مذهب التأثير والانفعال في النقد الأدبي
هذا مذهب في النقد يخالف المذاهب السابقة؛ لأنه مبني على تأثير النفس وانفعالها بما يبقى فيها من أثر القراءة والدرس، فليس له أي صبغة علمية ولا أي قاعدة يبنى عليها، بل مرجعه الميول النفسية والتأثيرات الشخصية، فهو نوع من اللذة العقلية التي يجدها القارئ في الفنون، ويشعر بها عندما يراها أو يعثر عليها فيما يقرأ من أساليب الكتاب وأفكارهم، ولا سيما في الصلة النفسية التي يجدها بينه وبين الكاتب أو الشاعر؛ فيظهر له أنها هي بنفسها ميوله وأهواؤه. قال أحد أساطين هذا المذهب:
1 «عندما أقلب آخر صفحة من كتاب أقرؤه أشعر كأني ثمل بما امتلأت به نفسي من الأثر بما قرأت، وأجدني أحيانا متأثرا بانفعالات كثيرة شديدة محزنة؛ فأجد قلبي مفعما بنوع من الشفقة المبهمة، وتارة أجدني مضطربا من شدة السرور، وكأنما يجري ذلك في لحمي ودمي.» هذا كلام جول لمتر
Jules Lemaitre ؛ لأن النقد عنده نوع من اللذة العقلية العلمية، فإن العواطف والإحساسات تتغذى بالمعلومات التي هي من وسائل تربية الشعور.
وهو يرى أن الشعور من الأشياء النسبية التي تختلف باختلاف الأمزجة والأحوال، فلقد يقرأ الإنسان بعض المؤلفات، ويعجب بها أول مرة . فإذا أعاد قراءتها لم يجد في نفسه الإعجاب الأول؛ ذلك لأن الشعور يتغير دائما، فيلزم الإنسان ألا يجرأ بالحكم على ما يقرأ حكما نهائيا لا يقبل النقض؛ لأن كل رأي فني لا يصح أن يكون حكما باتا؛ إذ لا يدل على شيء سوى تأثير وقتي؛ فإنه ميل شخصي قابل للتغير، ويمكن أن يتجدد هذا التأثير في نفس شخص آخر غير القارئ، كما أنه ربما لا يعود مرة أخرى عند شخص واحد في قراءته كتابا واحدا.
وصاحب هذا المذهب لا يعنى إلا بما يحب من عقول الكتاب وآثارهم في الكتابة؛ لأنه يقول «إن القارئ إذا أراد أن يفهم الكاتب لا بد من حبه والميل إليه، فإن الذكاء والفهم ليسا إلا ضربا من الرغبة والميل إلى الأشياء أو المعقولات، وذلك يساعد على فهم الفنون والافتنان فيها. ولكن كل إنسان يفهم ذلك على حسب فطرته وطبعه الشخصي.» وحسب هذا المذهب أهمية أنه يبحث عن مواضع الجمال لإظهار مواهب الكاتب وفهم قصده، وأنه يجعل فائدة النقد ليست أقل أثرا من قراءة الكتب الممتعة، وقد يفوقها أحيانا في الاستمراء؛ فقد يلذ للناقد نقده كما تلذ له قراءة كتب الآداب المختلفة.
ومهما قيل من أن هذا مذهب من لا مذهب له في النقد، فإنه رغم كل شيء مبني على الاختيار الصحيح والاستسلام إلى ذوق تربى وتهذب بالعلم، وربما تشابه مع المذاهب الأخرى من حيث الوصول إلى غاية واحدة، وهي توضيح وفهم أثر العقول والأفكار؛ لأن أصحاب هذا المذهب يرون أن المذاهب النقدية هي أيضا ميول شخصية، واستسلام إلى الأذواق المقيدة تقييدا صريحا ببعض قواعد العلوم والفنون، كما يرى الآخرون أن طريقة أصحاب التأثير والانفعال مبنية على الاختيار الذي يرجع في جملته إلى ذوق تربى تربية علمية، مبنية على أصول وقواعد وتهذب بأنواع الفنون.
نذكر هنا جملة من كلام جول لمتر في كتابه «المعاصرون» لنتعرف رأيه من كلامه، ونقف على صورة من نوع هذا النقد المبني على التأثير والانفعال، قال وهو يتكلم عن الكاتب الشهير أناطول فرانس
Anatol France : «من آراء مونتني
Montaigne
الممتعة أنه لا يمكننا أن نقف على معلومات صحيحة ثابتة؛ إذ ليس في الوجود ما لا يقبل التغيير لا في المشاهدات ولا في المعقولات، وأن العقول وما يتصل بها في حركة دائمة. ثم قال: ونحن متغيرون؛ فلا بد أن يكون إدراكنا للعالم متغيرا أيضا، ولقد يكفي في تغيير الأشياء المحكوم بقبولها أن تمر بأفكارنا، التي من شأنها ألا تثبت على حال واحدة ونحكم عليها على حسب المؤثرات الوقتية، ليدركها التغيير ونحكم عليها حكما جديدا غير الأول. فكيف يمكن أن يثبت النقد ويلزم طريقة واحدة لا تتغير؟! تمر المؤلفات بعقولنا مرورا تتغير في أثنائه ذاكرتنا. فإذا مرت بها مرة أخرى تصورناها تصورا آخر، وحكمنا عليها حكما جديدا. وكل إنسان له أن يجرب ذلك بنفسه ... لقد مرت بي أزمان وأنا معجب كل الإعجاب بفكتور هيجو، وها أنا ذا الآن أشعر بأن روحه غريب عن روحي، ولا أكاد أعيد قراءة الكتب التي كانت تملأ نفسي إعجابا وتبكيني أحيانا منذ خمسة عشر عاما، إلا وجدتني غيري بالأمس. ومهما أردت أن أخلص في فهمي لها والحكم عليها فإني أجدني مخالفا لآرائي السابقة، ولقد أتردد أحيانا في أن أصرح برأيي. قد يذكر الإنسان ما كان يتذوقه في الأيام الخالية، وما أمره أساتذته بالميل إليه؛ لأن هذا الميل والشعور هما اللذان يكونان أحكام النقد في الأدب.