لهذا اشتدت رغبة الفرنسويين في تقليدها، وأسسوا لذلك القواعد، وبنوا طريقة النقد عليها، فكانت هي نموذج البلاغة ونموذج الأفكار، وربما فاق هذا التقليد والإعجاب تقليد المسلمين وإعجابهم بالشعر الجاهلي، ولا يزال أهل أوروبا في تعصبهم لليونان والرومان إلى اليوم، ولكنهم يقلدونهم في لب الموضوعات، وفي أن البلاغة يجب أن تمثل حياة الأمم ونفوس الأشخاص، لا أنهم يجارونهم في الألفاظ والعبارات لا غير. وكان مذهب رونسار مبنيا - كما قلنا - على ذوق «أرستقراطي»؛ بحيث تكون البلاغة من شعر ونثر شريفة العبارة، لا تحتوي على ألفاظ مقذعة، ولا على شيء من المجون ، وأن يتحاشى الكتاب والشعراء كل ما يخرج عن حد الأدب، أو ما يدعو إلى سوء الأخلاق، وظهر أثر هذا المذهب في كل أنواع البلاغة الفرنسية، خصوصا في التمثيل، ثم شيد الفرنسيون على أنقاض هذه الآداب والبلاغة القديمة آدابهم وبلاغتهم لإعجابهم بها إعجابا شديدا. ولكنها لم تخمد منهم قوة الابتكار، ولا حب الانتقال من حال إلى حال؛ لأنها بلاغة اجتماعية متينة ممتعة، بل هذبت من أفكارهم، ورقت منهم ملكة الصناعة الأدبية، وعلمتهم دقيق الملاحظة، وهذبت من استعدادهم الفطري، وتخرج فيها أشهر الكتاب والشعراء، ولا تزال أشهر وأمتع البلاغات؛ لأنها بلاغة نفسية اجتماعية، بليغة في معناها أكثر منها في ألفاظها وأساليبها، ولا يزال أشهر الكتاب الآن يستمدون أفكارهم وتربية عقولهم من هذه البلاغات القديمة المتينة.
ذلك أثر اطلاع الفرنسيين على الآدب القديم، وأثر احتكاك العقول والأفكار كما يقولون، وأثر مذهب رونسار في النقد؛ وهكذا يجب أن تكون قوة النقد. كل هذه الحركة جاءت من الخارج بواسطة الاطلاع على بلاغات الأمم الأخرى، والميل إلى تقليد اليونان والرومان، والمتأمل في بلاغات الأمم يرى أن كل حركة من الحركات الأدبية الكبرى ذات الأثر العظيم، هبت ريحها من الخارج بسبب تقابل الأفكار وتفاهمها ... ولم يظهر أثر النقد في أمة من الأمم ظهوره في بلاغة الأمة الفرنسية، ويمكن أن يعد تاريخ النقد الأدبي عند الفرنسيين من أهم ما يكون في أنواعه؛ لذلك اخترنا أن ندرسه في محاضراتنا، ونذكر ما به من المذاهب التي نهضت ببلاغة الفرنسيين فجعلتها أجمل وأمتع من غيرها.
نذكر من بين النقاد الكبار، بل من أوائل النقاد الشاعر الناقد بوالو
Boileau ، الذي عاش من سنة 1636 إلى سنة 1711، ويعتبر عند الفرنسيين أول من كتب في النقد، كما أن القرن السابع عشر هو أول القرون في نقد الفنون والأدب. وقد بسط بوالو مذهبه في كتابه «الفنون الشعرية»، وظهر هو وكتاب «الهجاء»
Satire ، الذي ذم فيه مذاهب البلاغة اللفظية من سنة 1660 إلى سنة 1705، وأيد بوالو في كتبه مذهب تقليد القدماء، قال: «إذا قلنا بتقليد البلاغة القديمة، فليس ذلك حبا في تقليد بندار أو هوميروس الشاعرين اليونانيين، بل لموافقتها للطبيعة العقل؛ لأنها تقليد لطبيعة الإنسان، ووصف للحياة وصفا بعيدا عن المبالغة.» وقال: «إن الآراء المبنية على التعقل هي التي توجد الصلة بين أفراد الإنسان.» يريد بذلك أن البلاغات من نظم ونثر عبارة عن حقائق ثابتة، ولا يريد بالحقائق الحقائق التاريخية؛ أي إنه لا يلزم من كتابة شيء حصوله، بل يريد الحقائق الإنسانية كما يقولون، وهي ما يقع مثلها بين الناس؛ كما في بلاغة اليونان مثلا، فإنها تكاد تكون كلها خرافية. ولكن بها كثيرا من الحقائق التي هي في طبيعة الإنسان، تمثل عواطفه وحواسه تمثيلا تاما، قال بوالو: «وبقدر مطابقة البلاغة للحقائق يكون نصيبها من الجمال؛ لأن العقل لا يقبل غير الحقائق، ولأجل أن يكون الكلام حقيقيا لا بد أن يكون موافقا للطبيعة.» أي لما نعهده من الأشياء التي نراها؛ فالموضوعات الشعرية لا تكون جميلة إلا إذا مثلت الطبيعة تمثيلا تاما. قال: «وكل هذا ينطبق على البلاغة القديمة؛ لأنها بلاغة إنسانية - قبل كل شيء - تمثل الإنسان وخواصه النفسية، وهذا هو السبب في جمالها وعذوبتها، وقبولها في كل زمن وعند كل أمة.»