تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتب النقد عند الرومان في نحو القرن الثاني قبل الميلاد كانت مملوءة بالمباحث اللفظية؛ إذ كان الغرض منها تقويم ألسنة الخطباء، وإصلاح حالة الخطابة في مواقف النزال، ولم يكن اهتمامهم بشيء من أنواع الكلام إلا من أجل ذلك؛ فكان النقد عند الرومان لا يكاد يخرج عن صناعة الخطابة، فلم يكن لديهم مذهب أدبي ولا طريقة واضحة في النقد؛ ولذلك انحصر النقد عندهم في النقد اللغوي وعلوم البلاغة، وفي القواعد النحوية والصرفية؛ أي في البحث عن اللفظ وأصله وصحته، ثم في البحث عن مطابقته للمعنى المقصود، وفي طرق تأثيره في نفوس السامعين، واستمر الحال على ذلك إلى القرون الوسطى، ومر على النقد نحو ستة قرون في تلك الأزمان، وهو لم يخط خطوة واحدة؛ لأن العقول في القرون الوسطى كانت مقيدة بأهواء الملوك والأمراء ورؤساء الأديان، ومتى كانت الأفكار خاضعة لغيرها فإنها لا تعرف الحرية، ولا ترى طرق الإصلاح؛ ولذلك لم يكن الشعراء إلا آلة لأهواء هؤلاء الرؤساء، فلم يكن لأحدهم أن يقول شيئا إلا لإرضاء أمير أو رئيس، فكيف يجد النقد له منفذا أو طريقا؟ إذ لا يمكن أن يكون الإنسان ناقدا إلا إذا كان حرا في الفكر؛ لأن حركة العقول تابعة دائما للحركة العامة للحالة الاجتماعية.

أما في عصر النهضة فقد تحررت العقول، وظهرت «شخصيات» الكتاب والشعراء؛ ولذلك تغيرت أيضا طرق النقد. ولكن النقد أيضا في هذه الأيام لم يخرج عن النقد البياني مع بعض التوسع عما كان عليه في الأيام الماضية، وكان من رجاله دانت

Dante (1265-1321)، وبترارك

Pétrarque (1304-1374) الشاعران الإيطاليان الشهيران، واشتهرا بالنقد اللغوي، وهما أول من فك القيود القديمة عن النقد الأدبي، وكان النقد عندهم يقرب جدا من النقد عند العرب في كتب البلاغة وآراء الأدباء، بناء على ما كانوا يشعرون به من قراءة الشعر والنثر، ولعلهم أخذوه من العرب، كما أخذ الفرنسيون منهم كثيرا من أوزان الشعر وطرقه، أو أن هذه من الأطوار الأولى التي لم يتخطها النقد الأدبي عند العرب.

وأول حركة للنقد الصحيح في فرنسا ظهرت في عصر النهضة، عندما اختلط الفرنسيون بالإيطاليين أثناء الحروب الكثيرة، وقلدوهم في شعرهم، وعرفوا منهم أساليب الآداب القديمة وطرق بلاغتها، وانتشر عندهم تعليم اللغة اللاتينية، واطلعوا على كتبها وترجموا منها، فاتجهت عقولهم إلى الموازنة بين أدبهم الساذج والآداب القديمة، فكان الإيطاليون أول من كشف أسرار الآداب القديمة ومخبآتها، وأدرك مطابقتها للطبيعة الإنسانية وموافقتها للتعقل، وهم أيضا أول من وجه الأنظار إلى ربط الصلة بين الآداب والفنون الجميلة.

وفي أوائل القرن السادس عشر تألف مذهب نقدي جديد، كان على رأسه الشاعر الشهير رونسار

Ronsard (1524-1585) أحد كبراء الأشراف، واجتمع حوله جماعة الأدباء من علية القوم ونبلائهم، وزجوا بالأدب في طريق «أرستقراطي»؛ فلم يلاحظوا ذوق الشعب ولا حالته العقلية، بل لاحظوا أذواق الأشراف والكبار من عواطف وإحساسات وأفكار وغيرها.

وكان أساس هذا المذهب تقليد البلاغة القديمة، وما بها من البراعة وجمال الصناعة والإتقان. وارتقت في هذا الزمن منزلة الشعر والشعراء، وعظم تبجيل الناس لهم؛ لأن الشعر كان جمال القول وموضع مظاهر الذكاء، وكان الشاعر أقوى وأبرع إنسان، كما كانت الحال عند العرب في بعض الأزمان. وانفتح أمام الأدباء باب الموازنة بين الشعر القديم وبلاغة القرون الوسطى في فرنسا، وأعجب الناس أيما إعجاب بالبلاغة القديمة، وأخذوا في تقليدها. ولم يعد الإنسان يحكم على الشعر والشعراء إلا بواسطة الموازنة بين القديم والجديد، وبني النقد على مجاراة تلك البلاغة؛ لأنهم رأوا أن بلاغة القدماء متينة من جهة الصناعة، ومن جهة الموضوعات، ومن جهة ما فيها من تصوير النفوس الإنسانية ورسم الحياة؛ لأنها تصور الحقائق كما هي، ولأنها مبنية على الفكر والتعقل.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٢٩