فمذهب بوالو في النقد مذهب مبني على تقليد طبيعة الأشياء ورسم الحياة كما هي. ولكنه لم يرد إلا جهة الجمال والخير، قال: «لأن البلاغة تقصد إلى إظهار الجمال، فلا بد من تجنب كل ما يخالف ذلك، أو يؤدي إلى عكس هذا، فهي من فنون الجمال. فإذا خرجت عن ذلك لا تعد من الفنون في شيء.» وكان يقصد أيضا من تقليد الطبيعة الأشياء العامة التي توجد في طبيعة الإنسان، فإذا كتب الكاتب عن «نيرون» مثلا، فإنه لا يكون غرضه شخص «نيرون»، وإنما يقصد وصف خلق الظلم والاستبداد الكامن في نفس الإنسان؛ فلا بد من محو «الشخصيات» ومميزات الأفراد في البلاغة، بل يصف الكتاب النفوس العامة، والفضائل العامة، والطبائع العامة، كما في البلاغة القديمة، وكما فعل كرني
Corneille ، وراسين
Racine ، وموليير
Moliére
في كتاباتهم وقصصهم التمثيلية التي بقيت إلى الآن، ولا يزال الناس يتذوقونها من أجل ذلك.
1
القدماء والمحدثون في فرنسا
كان المذهب الأدبي الذي انتشر في فرنسا منذ منتصف القرن السادس عشر إلى أواخر القرن السابع عشر، مبنيا على تقليد البلاغة اليونانية والرومانية القديمة، ولم يكن الإعجاب بالقديم لأنه قديم فقط؛ بل لأنها بلاغة طبعية حقيقية قريبة من تمثيل الطبيعة الإنسانية والحياة المادية والعقلية، كما لاحظ النقاد الشهير بوالو. ثم هي حقيقية في معانيها خالية من المبالغة التي تضر بالمعنى، وخالية من الخيال الذي يبعد عن الحقيقة، وقد وصل الإعجاب بالقدماء إلى أقصى ما يمكن؛ حتى لقد كان يخيل إلى كبار الأدباء أنه ليس هناك موضوع يصح أن يطرقه الكتاب والمفكرون إلا ما كان جزءا من التاريخ القديم، أو تقليدا لشاعر أو كاتب يوناني أو روماني.
ولكن تشعب من هؤلاء الأدباء - الذين ربت عقولهم هذه الآداب وهذبت من ذوقهم - فرقتان: فرقة مزجت الفلسفة بفنون الكتابة، وحرمت التقليد، وقالت: إن كل إنسان له أن يعتمد على استعداده الخاص، وأن يكون دليله في كل ما يكتب ويفكر العلم والفلسفة، وأن كل طريق يخالف ذلك يكون متهما في صحته ومطعونا في أصله، وتظاهرت هذه الفرقة بالعداء لأنصار القديم. وفرقة أخلصت في حبها للقدماء، وفي اقتفاء آثارهم، وهم الأدباء الخلص الذين لم ينظروا للبلاغة إلا من حيث إنها فن من فنون الجمال، ورأوا حاجاتهم شديدة إلى تقليد بلاغة القدماء للوصول إلى غرضهم؛ لأنها أمتن وأمتع ما تكون بلاغة وصناعة؛ ولذلك كانوا يدعون إلى التمسك بمذهبهم، والإعجاب بالقدماء، وكان من أنصارهم كبار الكتاب والشعراء في القرن السابع عشر، وقد انتشر المذهبان وتنازعا البقاء نحو أكثر من نصف قرن، أي منذ ظهور كتب ديكارت الفيلسوف (سنة 1637)، التي انتشرت منها فكرته القائلة «بأن الفكر الإنساني سائر دائما إلى الرقي» إلى أواخر القرن السابع عشر، حين ألقى شارل بيرو
Charles Perrault
قصيدته الشهيرة في المجمع الأدبي (سنة 1687)، وافتتحها بمساواة المحدثين للقدماء، بل بفوقانهم عليهم، ووازن بين زمن لويز الرابع عشر والأزمان القديمة، فأخذ المحدثون أنصار ديكارت يظهرون وينشرون مذهبهم؛ وانتشر النزاع بين القدماء والمحدثين .
أثار عجاج هذا الخصام شارل بيرو، وهو أحد كبار كتاب وشعراء وأدباء القرن السابع عشر، وقد كان من المقدمين في حظيرة الملك لويز الرابع عشر، ومن المشتغلين بالفنون، المعروفين بالذكاء وحب الجديد في هذا العصر، ونشر كتابه المعروف «بالموازنة بين القدماء والمحدثين»،
2
وهو عبارة عن حديث بين قسيس عالم ذكي، يدافع عن المحدثين ويمثل المؤلف نفسه، وبين رئيس كبير وصفه الكاتب بالغباوة والتعصب، يقدس القدماء ويعجب بهم. وقد بث المؤلف أثناء هذه المحادثة ما أراد أن يثبت ويبرهن عليه من مذهبه وآرائه في تفضيل الحديث على القديم، وكان مدار الحديث دائرا على هذه الفكرة الأساسية: وهي «أن القانون العام للعقول البشرية والأفكار الإنسانية، هو التقدم والارتقاء في العلوم والفنون، وأن المحدثين وصلوا إلى ما لم يصل إليه القدماء من الاختراع والابتكار في الماديات؛ لأنهم اطلعوا على أكثر ما عرف واطلع عليه القدماء، فكان لهم من التجربة ما لم يكن لهؤلاء، والمعرفة والعلوم ليست إلا نتيجة التجربة والاطلاع؛ فالمحدثون إذن أرقى وأعلم من القدماء؛ لأنهم وقفوا على معلوماتهم، ثم على ما حدث بعدهم من العلوم والأفكار. فلماذا إذن لا يسبقونهم أيضا في فنون الأدب والبلاغة؟ بل لا بد أن يسبقوهم في هذا، كما فاقوهم في المخترعات المادية والوسائل الأخرى للمدنية الحديثة.» قال: «وقد كان القدماء أطفالا في العلوم والفنون بالنسبة لما ظهر من نتائج العقول والقرائح بعدهم. أما المحدثون فإنهم يمثلون نضج الفكر وغاية ما وصل إليه الإنسان من الذكاء، والأدب يبرهن على ذلك، وعلى أن كل عظيم من القدماء له مثيل من المحدثين.»