فالنقد في جملته لا يخرج عن وصف الكتابات «وتحليلها». ولكن النقد البياني واللغوي والنقد المبني على القواعد النحوية والصرفية أصبح الآن غير كاف في الحكم على كبار الكتاب ومواهبهم، ولم يعد فهم الكتابات الأدبية الآن قاصرا على الحكم بدون نظر إلى الصلة التي بينها وبين الكاتب وأحواله النفسية وتربيته العقلية، ثم إلى صلة ذلك كله بالاجتماع. أي إن النقد الأدبي أصبح الآن ممزوجا بالتاريخ العام، وبالتاريخ الخاص بنفوس الكتاب وحياتهم الشخصية، وهذه خطوة خطاها أخيرا النقد الأدبي في القرن التاسع عشر.
إذن فلا بد من البحث في الصلة بين الكاتب وكتابته والاجتماع، ولا بد من معرفة البلد الذي ولد فيه الكاتب، والجو الذي تربى فيه، والزمن الذي عاش فيه، وحالته الصحية، ومزاجه وسيرته، والتربية التي حصل عليها، ومعرفة أصله وقبيلته، والأوصاف العامة لها. وإذا كان عاش عيشة مرضية سهلة، وكان من أهل الرفاهية واليسر، أم عاش عيشة فقير مجد مجتهد في الحصول على قوام حياته؟ ثم لا بد من معرفة حالته النفسية وكيف كان يفكر، وكيف كانت ميوله الدينية، ومقدار نصيبه من العواطف، وأحوال الغرام، وكيف كان ميله للمجون واللهو، وكيف كان يتصور الجمال ويفهم الفنون، وما في كتاباته من «شخصياته»، وغير ذلك مما يساعد على معرفة حالة الكاتب النفسية والجسمية؛ لضرورة ذلك كله في الوصول إلى فهم استعداد النفوس وما فيها من أثر الذكاء؛ إذ كما أن البلاغة لا تكون دائما صورة الاجتماع، فليست أيضا دائما دليلا على نفوس الكتاب؛ ولذا يجب البحث عن الأسباب التي تدعو الكاتب إلى ما كتب وإلى خروجه عن طبيعته، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة الأسباب السابقة.
والخلاصة: أن النقد ليس له قواعد ثابتة ولا قوانين عامة، بحيث يتخذها كل إنسان لتكون عمدته في البحث، بل هو فن من الفنون يختلف باختلاف الذكاء والاستعداد، وأنه لا يصح الاعتماد على الأذواق الصرفة في الحكم على البلاغات. ولكن هناك صلة حقيقية بين الذوق والأثر الذي يحدث في نفس الإنسان عند قراءة شيء من الأدبيات، أو رؤية شيء من الفنون الجميلة. هذه الصلة يكون لها أثر صحيح نافع في إدراك حقائق الأشياء، إذا كان الذوق قد تهذب بالتربية والتعليم، وتكون بالعلوم والفنون المختلفة، وقد يكون النقد الخالي من الذوق صحيحا لمتانة طريقته، ولكنه يكون جافا. ومهما كان النقد بعيدا عن العلوم، غير مقيد بقاعدة، فإنه يمكن سن طريقة له، والطريقة التي نختارها هي: (1)
أن يكون الناقد واقفا تمام الوقوف على نوع الكلام الذي يدرسه، وعلى جملة آراء الكاتبين فيه؛ بحيث يمكن أن يميزه من غيره، وأن يحكم عليه بناء عن خبرة تامة بآراء النقاد والمختصين بهذه الموضوعات. (2)
أن يكون له طريقة يبني عليها حكمه، وأصول يرجع إليها في ذلك: كأن يكون مبناها صحة الأساليب أو صحة الفكر، أو رقي الخيال أو صلة البلاغة بحوادث خاصة. (3)
البحث عن صحة ما في الكتابة بواسطة صلتها بالكاتب والاجتماع، وتأثير ذلك في الكلام والصناعة.
هذا هو جماع القول في النقد الأدبي، وسنذكر المذاهب المختلفة في ذلك.
| النقد الأدبي في فرنسا
رأينا أن نجمل القول إجمالا في تاريخ النقد الأدبي في فرنسا؛ لنقف على سير حركة النقد وأطواره وأثره في الأدب الفرنسي، وعلى المذاهب المختلفة في ذلك، ثم نذكر بعد هذا حركة النقد عند العرب ومذاهب الأدباء لديهم.
يقولون: إن أرسطو أول من كتب في النقد الأدبي في نحو القرن الرابع قبل التاريخ المسيحي، وكتابه «فنون الشعر» عبارة عن كتاب في البيان وقواعد البلاغة، بنى عليه طريقته في النقد، وهو أول من قال «إنه يجب أن تكون أعمال الإنسان جارية على قوانين الطبيعة ونظاماتها.» وبدأ بالبحث عن عيوب الكتابات التي يثقل على النفس تذوقها، ووضع كل ثقته في علوم البلاغة؛ ليصل بها إلى كشف مخبأ الكلام البليغ. ولكنه لم يصل إلى قانون يبين الأنواع الأدبية، ولا إلى دراسة الأطوار التي تعتري البلاغة أثناء تقلب التاريخ عليها. غير أنه أرشد إلى الوسائل العامة التي يصح أن تكون طرقا ومناهج للكتاب، وظهرت بعد أرسطو كتب كثيرة في النقد لا تكاد تخرج عن هذا المعنى، أكثرها من قبيل النقد اللغوي.