تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل هذا الذوق يتكون بالقراءة والدرس، ويكتسب شيئا من اللين والمرونة وقبول الجديد؛ لأن الذوق خلق من الأخلاق القابلة للتهذيب والتنقيح والغناء بالقراءة والدرس والفهم؛ بحيث يكون ذوقا مبنيا على التجربة مما قرأ الإنسان وفهم من العلوم والفنون، فالذوق الصحيح ينضج ويتربى بالنقد، والنقد يتهذب بالذوق؛ لأنه معين ومساعد على الفهم وتفضيل الشيء على الشيء؛ فلو أن إنسانا خلا من ذلك كان حب الاستطلاع لديه ناقصا؛ لأنه إن لم يكن في نفسه ذوق ثابت لنوع من الأنواع، مبني على التجربة، ولم توجد في نفسه ملكة التفضيل والتفرقة بين الأشياء؛ كان سواء عليه أقرأ هذا أم هذا، وخفي عليه كثير من المميزات، وكانت الفائدة من القراءة لديه أقل مما لو كان له ميل خاص، وربما خرج من الكتاب الذي يقرأ بدون فائدة ولا أثر، وهذا مشاهد معروف. أعط أحد المهندسين أو الأطباء أو الذين لا يميلون إلى الأدب ولا يحبونه، قصيدة من القصائد المتينة، أو قصة أدبية ممتعة ليقرأها، ربما قرأها وفهمها ولكنه يخرج منها بدون أثر في نفسه؛ لأنه ليس له ذوق خاص في هذا النوع، فلا يهتم بأن تصل نفسه، أو أن يصل إلى نفسه سر هذا الكلام. ودع إنسانا لا يحب التمثيل ولا يميل إليه، يحضر «قطعة» تمثيلية مملوءة بضروب الفنون ونقد الاجتماع، دعه يسمع قطعة لموليير أو لشكسبير أو لجيت، ثم ابحث في نفسه عما أخذه من مجلسه، تجده لم يتأثر بشيء، ولم يستفد فائدة كبيرة؛ ذلك لأنه ليس في نفسه تفضيل لهذا النوع، كذلك تكون القراءة الخالية من الرغبة والميول الخاصة عبارة عن اطلاع عام، ومشاهدات عامة لا تبقى في نفس الإنسان ولا توقظ من حركة الفكر. فالذوق الصحيح يساعد النقد على الإعجاب بالشيء أو على كراهته، أي إنه من الوسائل التي تمهد للنقد الحكم على الفنون وآثارها.

نرى من ذلك أن النقد الخالص الذي ليس للذوق فيه أثر هو نقد ناقص أو نقد جاف، وأن الذوق الخالص من أثر النقد، ومن أثر التجربة العلمية والاطلاع - أي الذي هو الاستسلام إلى ميل الشخص فحسب - لا يرقي العقل، ولا يساعده على نمو قوة الإدراك، ولا يصل بالإنسان إلى كشف الحقائق.

قلنا إن النقد ليس علما من العلوم، بل هو فن من الفنون التي مرجعها استعداد النفوس في الفهم والإدراك. ولكن هذا ليس كافيا في تعريف النقد، أيستسلم كل إنسان لفكره في الحكم على ما يقرأ ويسمع؟ أيكل الأمر إلى الذوق لا غير؟ ألا يكون النقد شيئا آخر غير هذه الفوضى في الحكم والإدراك؟ أليست هناك طرق ومذاهب تحدد ذلك، وتبين الخطأ من الصواب في أحكام الناقدين؟ وإذا كان شيء من هذا فعلي أي أساس يبنى؟ مهما يكن من شيء، فالذي لا يصح إنكاره هو أن هناك حقائق فنية، كما أن هناك حقائق علمية، فالقارئ لقصيدة أو لقصة تاريخية يجد أثناء قراءته من الحقائق الفنية، ما يجده العالم أو الفيلسوف من الحقائق العلمية أو الفلسفية، نريد بالحقائق الفنية سر البلاغة الذي تشعر به النفوس، وبه تكون قيمة الكاتب والكتابة، ونريد بالحقائق الفنية جمال القول وجمال الفكر وجمال الصناعة، ثم نفس الموضوع بما فيه من الصور الإنسانية، التي يجد فيها القارئ كثيرا من النفوس والأشكال المختلفة لحياة العقول. يقرأ الإنسان القصيدة أو القصة البلاغية، فيشعر بشيء في نفسه لم يكن له قبل قراءتها، هذا أثر جديد حدث عنده، أو حقيقة من الحقائق ظهرت له فيما قرأ. ومهما وجد من الاختلاف والتناقض في فهم هذه الحقائق الفنية، وفي الحكم على الكتب والمؤلفين؛ فذلك لا يدل على عدم وجودها، وإنما يدل على اختلاف طرق الفهم. على أنها حقائق نسبية ككل شيء في الوجود من أثر الإنسان.

فالنقد هو البحث عن فهم هذه الحقائق، وهو توضيح وترتيب ما في الكتابات من الأفكار والآراء والأساليب، ثم الحكم على ذلك. والناقد الحاذق من يكون عالما بالموضوع وبمنزلته من العلوم والفنون الأخرى، بأن يكون حدد وعين لنفسه طريقة خاصة في الفهم، ثم بعد ذلك يبدي رأيه النهائي فيما قرأ. فإذا قرأ قصيدة من القصائد عرف من أي نوع هي: أمن الشعر الوجداني، أم من الشعر الاجتماعي، أم من الشعر التمثيلي؟ فإذا حكم عليها بأنها من الشعر الوجداني، لا بد أن يكون عارفا بخواص هذا النوع من الشعر وبموضوعه وبصناعته وبكل ما يميزه من غيره، ثم لا بد أن يقيس ذلك على طريقة خاصة قد عينها لنفسه، يجعلها كمقياس عام له يقيس به ما يقرأ، بأن يكون له مذهب يبني عليه أحكامه: كأن يكون من مذهب البيانيين الذين يحكمون على الكتابة على حسب ما بها من أنواع البيان: كالاستعارة، والتشبيه، وأنواع البديع، أو من الذين يحكمون عليها بما فيها من المعاني الجيدة والأفكار الصحيحة، أو ممن يبنون مذهبهم على البحث في الكتابة من جهة صلتها بالاجتماع، أو ممن يحكمون عليها من جهة مطابقتها للحقائق، وغير ذلك من المذاهب الكثيرة؛ وبهذا يمكن الحكم على الكتابة من شعر ونثر بناء على طريقة ثابتة، مبنية على أساس ثابت، وهذا ما يسمونه بالمذاهب الأدبية في النقد، أو أنواع النقد الأدبي، وطرق النقد كثيرة متعددة سنذكر منها شيئا، ونبين المذاهب المختلفة فيها.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٢٧