تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان هذا الكذب الصناعي هو الذي يحمل القارئ أحيانا على استمرائها، والاسترسال في قراءتها؛ لأن الأشياء التي هي غير مألوفة، كثيرا ما تعجب الإنسان وترضي النفس التي تحب الخداع، وتميل إلى الانتقال وتحب التغيير، خصوصا عندما يكون فيها من الأفكار والخيالات ما يحرك عواطف الشاب، ويعجب الشيوخ والكهول. وكثيرا ما يكون تشويه الحقيقة في الفنون داعيا من دواعي الإعجاب. لماذا يعجبنا أن نرى صورة مشوهة، ذات رأس ضخم على جسم صغير لا يمكنه أن يتحمل هذا الرأس؟ أليس ذلك لأنه غريب عنا، بعيد عما نراه من الحقائق، محرك فينا حب الاستطلاع؟ كذلك الحال في جميع الفنون. غير أن هناك نوعا من الفنون التي تدخل في باب الحقائق، وتجعلها سائغة على النفس خفيفة الروح، سهلة القبول؛ فإن صورة يصورها المصور لإنسان، لا يمكن أن تكون غيره. ولكن ربما اقتضت الصناعة أن يضع على رأسه العمار بشكل خاص، أو أن يغير من شكل ملابسه أو لونها بعض التغيير، أو أن يجعل ارتفاع «طربوشه» مثلا ارتفاعا مناسبا لما يريد، أو أن تقضي الصناعة وضع ثلاثة أو أربعة أزرة في ملابسه، وهو لم يحمل إلا اثنين مثلا. هذه التفصيلات لا تغير من حقيقة الشخص نفسه. غير أنه لا وجود لها، كذلك الحال في الشعر والنثر؛ ففي أشعار العرب ما يدل في مجموعه على أخلاقهم، كالكرم والشجاعة وعدم احتمال الضيم، إلى غير ذلك مما ورد في شعرهم. ولكن لا يمكن أن ندرس إنسانا دراسة تامة في شعره، نعم قد يستدل من كتابات الرجل على شيء من أخلاقه، ويمكننا أن نعرف إن كان الشاعر عاقلا أو مجنونا، كما يمكننا أن نعرف إن كان مخطئا أو مصيبا في أفكاره. ولكن هل يصح أن نحكم على إنسان بالشجاعة لأنه مدح الشجاعة؟ أو نقول: إنه كريم لأنه مدح الكرم؟ لدينا الآن من يصف السيف والرمح، ويمدح الشجاعة والموت في سبيلها، وهو لا يعرف أن يقبض على السيف، وتهتز فرائصه خوفا إذا هم إنسان يضربه بيده لا بسيفه، وكم من شاعر وصف الخمر وهو لم يشربها، ومدح التقوى وهو لم يعرفها.

وقد يكون للكاتب أو الشاعر رأي خاص، يريد أن ينشره أو يعمل على تأييده، ورأيه غير معروف في البيئة التي يعيش فيها، أو معروف عند القلة، فإن قصص بول بورجيه

Paul Bourget ، القصاص الفرنسي بها نزعة دينية كتوليكية؛ لأنها تدعو إلى الكنيسة الكتوليكية وإلى مذاهبها، وتعمل على تأييد ذلك، وأنطول فرانس

Anatolé France

المعاصر له رجل فيلسوف ملحد، قصصه مملوءة بالهزء والسخرية من العالم ومن الأفكار الدينية، وكلا الكاتبين يكتب وينشر أفكاره الخاصة في نفس البيئة التي ينشر فيها الآخر أفكارا تخالفها، فأيهما يصح أن يكون قلمه وأفكاره دليلا على البيئة التي يعيش فيها؟ هذا يدل على نزعات فردية، وعلى مجتمعات وأفكار خاصة، لا على الأمة أو حالة الاجتماع العام، اللهم إلا في الكتابة العلمية أو في مذهب الحقائق

Réalisme ، الذي من غرضه إظهار الشيء كما هو. على أن ذلك لا يخلو من بعض المبالغة أحيانا، ومن الصناعة التي تضطر الكاتب إلى الخروج عن الحقائق.

وعلى كل حال فلا يصح أن تعتبر البلاغة دليلا صحيحا على الزمن والأشخاص الذين ظهرت بين ظهرانيهم، أو أن تكون أثرا تاريخيا.

نعم لا تكون الكتابة من الأدلة التاريخية لأمة من الأمم؛ لأن الكاتب لا يقصد من وضع قصة تمثيلية لحادثة تاريخية تمثيلا خاليا من الزيادة والنقص. ولكنه يريد إظهار رأيه وإثباته في قصته، وهذا ما يدور عليه محور التمثيل؛ ولذلك يعمل على إظهاره بأي شكل كان وبأي وسيلة كانت، هذه الزينة التي توجد على المسارح من ستائر وأثاثات وألوان وأضواء، وهذه الملابس والحركات والأشكال، قد تكون غيرها في الزمن الذي وجدت فيه القصة وربما لا تشبهها، كالكلام الكثير والمناظر المختلفة التي لا تكون من القصة في شيء. ولكن المؤلف يريد أن يعجب الحاضرين، وينال من نفوسهم بهذه المظاهر ليتوصل إلى إثبات فكرته، أو إلى نشر حقيقة خفية بهذه الوسائل. كل ذلك لازم تقتضيه قواعد الفن وتستلزمه الرغبة في الإعجاب؛ ولذلك كثيرا ما يغير أصحاب الفنون مناظر القصة التمثيلية إلى غيرها ؛ لأنهم يرون ذلك أوفق وأدعى للجمال، ولأن الفنون ليس من غرضها البحث عن الحقائق، ذلك يرجع إلى الفلسفة والعلوم، إنما غرض الفنون إظهار الجمال.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٢١