قال أصحاب هذا المذهب: إن «أمثال»
1
لافونتين الشاعر الفرنسي الشهير، «وأخلاق» لابرويير
2
الكاتب النقدي، تدل دلالة تامة على حالة الاجتماع في القرن السابع عشر في فرنسا، وعلى زمن لويس الرابع عشر وحاشيته؛ لأن لافونتين مثل الأشخاص في صور حيوان، ولابرويير ذكر في «أخلاقه» صور الذين كانوا يعيشون في ذلك الزمن، بما لهم من الأخلاق والعادات، فكأنما رسم الاجتماع والزمن اللذين كان يعيش فيهما، كما يرسم المصور لوحته بالألوان، ويبين فيها مميزات الشخص.
وعندنا نحن من الأمثلة على ذلك ما يقرب من هذا في البلاغة المصرية «حديث عيسى بن هشام» لمحمد بك المويلحي؛ فإن فيه رسما للحياة والأسر في مصر على اختلافها في زمن من الأزمان. وهو من أفضل الكتب، التي يصح الاعتماد عليها في معرفة الحياة المصرية الحاضرة، وفي معرفة الأفكار والأخلاق والعادات المنتشرة عندنا، والفضائل والرذائل السائدة فينا.
3
وكان من رأي جماعة من الأدباء أن القصص والروايات تصح أن تكون منبعا من منابع التاريخ، ومرجعا من مراجعه؛ لأنك تجد فيها كل أشكال الناس؛ ففيها الطفل والشاب، والجندي والحاكم، والمالي والشريف والسياسي، بمميزاتهم وأخلاقهم النفسية والاجتماعية، وبأشكالهم الحقيقية، فقد أخذت الكتابة شكلا علميا تاريخيا، وصارت البلاغة كتراجم لأشخاص ونفوس اجتماعية لأفراد خاصة معينة، أو بعبارة أخرى، أصبحت الكتابة تمثل أخلاق المجتمع، وتكشف حقيقته، كما أن العلوم يتوصل بها إلى تقرير الحقائق، كدرس طبيعة حيوان، أو صفة عامة في فصيلة من فصائل النبات.
هل أصحاب هذا الرأي محقون؟ وهل يؤخذ هذا الكلام على علاته؟ وهل الأشخاص الذين نراهم في جوف القصص وفي بطون الحكايات لهم صورة أصلية في الخارج؟ وهل أوصافهم وأعمالهم ووظائفهم حقيقة من الحقائق الثابتة؟ إذا بحثنا في ذلك بحثا دقيقا وجدنا أن هناك فرقا ظاهرا، وأحيانا مخالفة واضحة بين بعض الكتابات البلاغية وبين البيئة التي نبتت فيها وخرجت منها. وسبب ذلك أهواء الكاتب الشخصية وأغراضه النفسية، أو تأييد فكرة يعمل على إثباتها ويبالغ في تقديسها.
ذلك لا يظهر في الآداب العربية ظهورا واضحا؛ لأن بلاغة العرب محصورة أو تكاد تكون محصورة في الشعر، والشعر لا يمثل حالة الاجتماع تمثيل النثر له؛ لضيق المجال فيه؛ لأنه لا يسع جميع الأفكار، ولا يحتمل إظهار الحقائق كما ينبغي، لما فيه من القوانين التي يجب على الشاعر اتباعها. وكثيرا ما تضطره إلى ذكر ما لا يلزم أو حذف ما يلزم. فالشاعر لا يجد في شعره الحرية المطلقة التي يجدها الناثر في نثره. ولأن الشعر رغم كل شيء مبناه الخيال والمبالغات، والصناعة الشعرية كثيرا ما تضطر الشاعر اضطرارا لاتباع أهوائه، خصوصا الشعر العربي لأنه أكثر الشعر رونقا وبهاء، وأشده ارتباطا بالنغمات الموسيقية، والموازين والألفاظ الضخمة، والاستعارة والتشبيه والمجاز.
4
فجمال الشعر العربي في الصناعة، وهو كذلك عند جميع الأمم خصوصا الشعر الوجداني، فإنه يكاد يكون مبنيا على ذلك فحسب، فكيف يستدل بالشعر على الحقيقة؟ وقولهم: «إن الشعر ديوان العرب، به أخلاقهم وعاداتهم وأنسابهم وحروبهم» ليس معناه أن الشعر يصح أن يكون دليلا من أدلة التاريخ العام؛ فإذا روى أحد الشعراء قصة فلا يصح أن تؤخذ على أنها حقيقة من الحقائق الثابتة، كما في كتب التاريخ، وإلا لصح أن تعتبر الأساطير الشعرية «والأمثال» حجة تاريخية، ولم يقل بذلك مفكر؛ لأن كل الشعر اليوناني القديم خرافي، وكل ما فيه من الآلهة والحروب خرافي أيضا، وربما لم يحصل شيء مطلقا من هذه الحروب، بل من المحقق أن أشيل وأغمنون وآلهة الشعر التي نزلت من السماء أشخاص خياليون، والقصة نفسها خيالية. بل قالوا: إن هوموروس نفسه شخص خرافي لا أثر له في الحقيقة، فكيف تكون هذه الأشعار ومثلها دليلا على حالة الاجتماع وعلى حياة الأمم دلالة تاريخية؟ وهل يصح أن نصدق بوجود الأشخاص الذين وجدوا في أشعار الجن عند أدباء العرب؟ وأن تكون قصة «ألف ليلة وليلة» صحيفة صادقة من صحف التاريخ الإسلامي؟ أو صورة صحيحة من صور الحياة الاجتماعية في بغداد ومصر وغيرهما؟ لا نزعم أن كل ما بها ضرب من الكذب أو الافتراء. ولكن الإنسان يرى من أول وهلة أن بها مبالغات هي أثر الكتابة الخرافية، والأساطير الأدبية وأثر الصنعة، فيها أشخاص معروفون، فيها ملوك وأمراء، فيها نساء وحكام. ولكن أوصافهم أو أشخاصهم غير حقيقية.