تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا مثل ضربناه لأن الصناعة فيه أظهر، وعدم اتباع الحقيقة فيه أبين، والجري وراء أهواء الكاتب في إظهار البراعة فيه أوضح؛ لأنه مبني على المشاهدات، ومثل ذلك يقال في أنواع النثر والشعر، وهل مثل قول ابن كلثوم:

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما

تخر له الجبابر ساجدينا

يدل على حقيقة؟ وهل هذه كانت حالة الاجتماع في ذلك الزمن؟ هذا من باب الفخر والحماسة وجمال القول والمبالغة، أو من التهاون بالحقائق لاقتضاء الصناعة ذلك. كل ما يمكن أن تدل عليه البلاغة من نظم ونثر، وقصص وحكايات، وروايات تمثيلية واجتماعية، هو مجموع الحركة الفكرية للأمم، والصورة العامة للميول والأهواء للمجتمع، وشيء من حركة النفوس والعقول، وبعض الأخلاق والعادات التي يمكن أن تؤخذ من بطون هذه الصحف.

وقد قال بعض النقاد: إن الحالة الاجتماعية لأمة من الأمم تعرف من آراء النقاد أكثر مما تعرف من البلاغة نفسها؛ أي إنه يمكن أن يعرف الإنسان من ملاحظات النقاد على الكتاب والشعراء صحة مطابقتها للأخلاق والعادات من عدمها؛ لأن النقاد يرون ما لا يراه الكاتب نفسه؛ فتكون آراؤهم أقرب إلى الصواب من آراء الكاتب، وهذه الآراء تبين أفكار الكاتب وحكمه على المجتمع الذي يعيش فيه، نضرب لذلك مثلا بحالة القصص الاجتماعية الآن: كثير من هذه القصص يمثل طبقات الناس تمثيلا غير حقيقي، يمثل المرأة أو الفتاة في حالة من الأخلاق لا يرضاها لها إنسان، خصوصا في موقف الحب والغرام، كما هي الحال في القصص التمثيلية، فلو لم تظهر آراء النقاد ما في هذه الكتابات والأفكار من المبالغات، واعتمد كل إنسان على ما يقرؤه في أخذ الحقائق منها؛ لامتلأت نفسه خطأ من الحكم على المجتمع، وكما هي الحال للأجانب الذين يصفون البلاد من بطون الكتب لا غير، كالقصص والروايات، ويحكمون عليها بناء على ذلك؛ لهذا قيل: إن الحكم على البلاغة نفسها هو صورة الاجتماع ؛ أي إن المؤرخ الذي يريد أن يأخذ شيئا من كتابة الأمم للحكم على مدنياتها، عليه أن يجمع آراء النقاد المختلفة ويوازن بينها؛ ليستخلص منها صورة صحيحة من الحالة الاجتماعية، فقد يجد أفكارا متناقضة مختلفة في عصر واحد؛ لأن كل إنسان له رأي، فإن لم يكن هناك تمييز بين هذه الأفكار فبأيها يحكم القارئ؟ وعلى أي اجتماع يكون حكمه صحيحا؟ وماذا تكون الحال إذا حكمنا على زمن الرشيد بشعر أبي نواس وأمثاله، وحكمنا على الشعراء بمثل هذه الأخلاق؟ وأبو نواس يكاد يكون وحيدا في بابه مع أصحابه، كما قال حمزة بن الحسن الأصبهاني جامع ديوان أبي نواس: «وقد خص شعر أبي نواس ممن لهج بإضافة المنحول إليه بما ليس في غيره من الأشعار، وذلك أن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريقهم؛ لأن جل أشعاره في اللهو والغزل والمجون والعبث، كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، وأقل أشعاره مدائحه. وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه، وكانوا من بعده؛ فأبو نواس في توفره على الهزل بإزاء عمران بن حطان وصالح بن عبد القدوس في توفرهما على الجد الصرف.»

هذا معنى أن آراء النقاد هي صورة الاجتماع أكثر من البلاغة نفسها. وجملة القول أن كل ما يصح أن يؤخذ من البلاغة هو الحالة العامة للأفكار، وطريق سيرها في زمن من الأزمان، حتى في البلاغة الحقيقية التي تنشر الحقائق بدون زيادة ولا نقص؛ لأنه ليس الغرض منها تقرير الحقائق، بل عرض صورة الشيء عرضا إجماليا وبث العبرة والعظة. كما إذا وصف الكاتب رجلا قذرا رث الثياب حافي الأقدام، فإنه لا يصفه لذاته، وإنما يصفه لإظهار النفس الكامنة فيه، وكما نجد في الكتابات الحديثة الآن أثناء الكلام على شخص من الأشخاص، وصف حجرته، وما لديه من الأثاث وغيرها؛ كل هذا للتوصل للحكم على الرجل وعلى نفسه. فإذا أردت أن تبحث عن أمة من الأمم، فإنك لا تجدها في بلاغتها، وإنما تجد في بلاغتها أذواقها وأنواع ميولها.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٢٢