تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الحياة الفطرية بما فيها من البساطة والسذاجة والأخلاق من كرم وشجاعة ووفاء، هي كل الشعر العربي الجاهلي، أو الشعر العربي الجاهلي هو كل ذلك. كان العربي يصف في شعره ما يراه، ويتكلم عما يشعر به في نفسه من عواطف وفضائل، وقد تكلم وعبر عما يجول بخاطره بنفس الشجاعة والإقدام اللذين كانا له في الحياة.

والعرب أكثر الأمم اهتماما بالشعر واشتغالا به؛ فلا تكاد تجد عربيا إلا نطق بالشعر وقال الأبيات والقصائد، سواء في ذلك رجالهم ونساؤهم وبناتهم وصبيانهم؛ لأن الشعر طبيعة من طبائعهم، وسجية من سجاياهم، فما هو إلا أن يحرك نفس العربي داع صغير أو كبير لينفتق لسانه بالكلام البليغ، وليسترسل في القول استرسالا، فيبدع ويغرب، ويستولي على النفوس استيلاء، ويقود الجماعات ويذكي الحروب، ويصلح ذات البين، ويفعل في النفس فعل الكأس.

ذلك لصفاء قريحته ولصفاء جوه، ولسذاجة فكره وبساطة عيشه، ولحاجته إلى الغناء والتفاخر بحسبه، والدفاع عن نفسه وأهله؛ ولأن طبيعة بلاده الجافة ذات الشكل الواحد لم تلهمه ولم توح إليه من أنواع الجمال غير جمال القول بالتعبير عما يجول بخاطره، وإظهار عواطفه إظهارا ساذجا؛ غاب عنه جمال الطبيعة من حقول وخمائل، ومن جبال وتلال مكللة بالأشجار والأزهار، وندر لديه جريان الماء وهدوء الجو، فلم ير إلا الصحراء المحرقة ذات الفضاء اللانهائي - على قول المنطقيين - والنخل المصعد في السماء على شكل واحد؛ فأثر ذلك في خياله، وجعله أيضا لا يعرف التغيير. ولكنه إنسان له نفس ككل النفوس ، تتطلع إلى الكلام والتعبير عما هو كامن فيها، وعما تراه وتفهمه من هذه الحياة، وهي من النفوس الصافية تحب الجمال وتميل إلى فهمه، وليس لها من وسائل الفنون إلا البلاغة، فاندفع بطبيعته إلى الشعر، ووصف طبيعة بلاده، وتفنن في ذكر ما يحيط به، من حيوان وغيره، ووصف كل دقيقة وعظيمة في ذلك، ثم أحب جمال المرأة؛ لأنه كل ما عنده من الجمال، فشبهها بالكواكب والماء الزلال، وتصبب ونسب بها؛ لأنه رأى في الحب تسلية للنفس، وشفاء للغليل، ووسيلة من وسائل الارتياح والسرور، وداعيا من دواعي البلاغة؛ فأكثر من ذكرها في أشعاره، وبدأ قصائده بذلك، وهام بها هيام اليونان بذكر آلهتهم في أشعارهم، فأصبح الغزل طابعا من طوابع الشعر العربي، وأبدع في ذلك أيما إبداع.

1

هذا ولم يقف الباحثون إلى الآن على أثر يدل على أصل الشعر العربي ولا كيف بدأ، وما وصل إلينا من الشعر القديم، لا يدل إلا على متانة في الصناعة، مما لا يصح أن يكون من أوائل الشعر.

والمظنون أن الشعر القديم لم يصل إلينا لعدم تدوينه، ولانتشار الأمية في ذلك الزمن؛ إذ لا يمكن أن يصل الشاعر إلى هذا الضرب من البيان، ولا إلى هذا الإتقان إلا بتعمل كبير وجهد عظيم، خصوصا هذه الأوزان المختلفة والقوافي المتعددة. وإذا ذهبنا إلى أبعد ما قيل من الشعر الجاهلي، قبل الإسلام بنحو قرنين - على بعض الأقوال - نرى أن هذا لا يكفي لما وصل إليه من الإتقان والإمتاع في الصناعة، ولا لوصول الأفكار لهذا الحد من الحكمة في القول كما في معلقة زهير، وشعر عدي بن زيد وغيرهما؛ لأن الأفراد لا يمكن أن يصلوا إلى ذلك إلا بعد تربية طويلة للمجموع، يتخرج فيها أصحاب المذاهب الخاصة، فلعل الشعر الجاهلي أقدم مما نظن بكثير.

قالوا: وأول ما انفتق لسان العربي بالشعر كان في سيره مع الأبل أثناء أسفاره، التي كان يقطع فيها الصحراء المحرقة الواسعة الفضاء، وهو على جمله يهتز هذه الهزات المتوالية، التي تطوي وتنشر جسمه طيا ونشرا؛ فدعاه ذلك إلى الحداء ليقطع الوقت، وليخفف على هذا الحيوان ألم السير؛ إذ بحنوه إلى سماع الغناء ينسى هذا الحيوان الصبور كل ألم، وقد ظهر في حركات سيره شيء يشبه أن يكون سببه الطرب من سماع الغناء، في ارتفاع عنقه وانخفاضه. قالوا وأخذ العربي أوزان الشعر من حركات الإبل في سيرها.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ١٦