ومن المحتمل أن يكون هذا صحيحا، وأن يكون ما دعا العربي لقول الشعر كثرة أسفاره وأتعابه من اختراق الصحراء. ولكن العربي ككل الناس من جهة العواطف والإحساسات والاستعداد إلى قول الشعر. بل ظهر أن العربي أكثر الناس استعدادا لقرض الشعر، وأكثر من قال شعرا؛ لا تكاد تجد أمة أخرى أنتج خيالها من الكلام الموزون المقفى مثل ما أنتج العرب، ولا يوجد عدد من الشعراء في أمة من الأمم أكثر من عدد شعراء العرب؛ لأن الشعر كان سجية من سجاياهم، فكان لديهم أشبه بالحديث والمسامرات عند غيرهم. فلماذا لا تكون هذه الطبيعة النقية، وهذا الاستعداد السليم هما اللذان دعوا العرب لقول الشعر من أول الأمر؟ وأن الحياة البدوية والحاجة إلى الدفاع عن النفس والأهل هي التي فتقت لسانه بهذا الكلام البليغ؟ وأن مفاخره جعلته يملك أعنة الكلام، ويتصرف هذا التصرف في القول؟ وأن هذه الصبغة التي في شعره فطرية ناشئة عن أسباب كثيرة، بعضها خاص باللغة وغنائها والبيئة وما فيها.
وقد قال بعض المستشرقين مثل رينان ومن جرى على مذهبه: إن العرب ككل الأمم السامية ليس لها أساطير في شعرها ولا في عقائدها، وإن هذا يدل على ضيق الخيال لديهم؛ لأن الأساطير والخرافات إنما هي نتيجة سعة الخيال، ونتيجة الحيرة وحب البحث والاطلاع، وإن الفكر كلما كان قلقا متطلعا إلى غاية أسمى وكان بعيد الغرض؛ دعاه ذلك إلى حب البحث وإلى أن يكون في حركة مستمرة للوصول إلى ما يريد، كأنه يبحث عن حقيقة خفية، وكلما أكثر من البحث ظهرت له أشياء ووقف على معان جديدة، وتبينت له أسرار دقيقة في الحياة، وعرف ما لم يكن يعرف قبلا. قالوا: كل ذلك يظهر أثره في بلاغات الأمم من نظم ونثر، كما هي الحال عند الأمم الآرية كاليونان وغيرهم من الأمم الأوروبية. وقالوا: سعة الخيال، ولا يقصدون بالخيال ما نقصده نحن من المجاز والتشبيه، وإنما يقصدون سعة الخيال في تصور الحقائق وفي إدراك الموضوعات المختلفة؛ لأن أساطير اليونان كان منشؤها البحث عن الخالق وتصوره، فلم ترشدهم عقولهم إلا إلى ضرب من الخرافات، كتبوا عنها وألفوا فيها الأسفار، ونصبوا لها التماثيل، وتوسعوا في الفنون؛ فاستدل الباحثون بذلك على قوة الذكاء وسعة الخيال وحب الجمال والافتنان فيه. وربما كان هذا من الأسباب التي حملتهم على طول الكلام، والميل إلى القصص في النثر والشعر؛ لأن هذا النوع من البلاغة ليس إلا ضربا من سعة الخيال في التصور والفكر والتعبير؛ ومن هنا يكون تعدد الأنواع في ضروب البلاغة نظما ونثرا.
أنكر المستشرقون هذا النوع من سعة الخيال عند الأمم السامية، وفي جملتها العرب. ولكنهم يبالغون في ذلك؛ لأن العرب تصوروا آلهة متعددة، ونصبوا لها الأصنام قبل الإسلام، وكانت لهم أساطير،
2
وتخيلوا لشعرائهم نفوسا أخرى من الجن كانت توحي إليهم عبقريتهم، وعدوهم أصحابا لكبار الشعراء، ورووا عنهم الشعر. قالوا: فكان صاحب امرئ القيس لافظ بن لاخط، وصاحب عبيد بن الأبرص هبير، وغير ذلك من الشعراء الكبار،
3
أما أن الأمم السامية ذات أفكار هادئة غير قلقة، راضية بصدق وصحة ما ترى، فهذا صحيح في جملته؛ لأنهم أقنع الأمم في حب الاستطلاع، وأرضاهم بما لديهم؛ ولذلك أيضا كانوا أقلهم فلسفة، وأكثرهم سذاجة في حالتهم الاجتماعية وفي نظام حكوماتهم، كما يظهر ذلك في بلاغتهم من شعر ونثر، وكلها أشبه بالحقائق العريانة كما يقولون.
وقد قال جماعة من المستشرقين خصوصا الألمانيين منهم إن نسبة الشعر الجاهلي إلى قائليه لا يصح الاعتماد عليها ولا التصديق بها؛ لأنه مهما صحت قوة الذاكرة عند العرب ومهما قويت حافظتهم، فإنها لا تحتمل رواية كل هذا الشعر كما كان، وكما نطق به الشعراء الجاهليون؛ لأن الذاكرة كثيرا ما تخون، والأمانة في النقل نقلا صحيحا لا تكون إلا بالكتابة والتقييد، وأن حمادا الراوية جامع المعلقات وراويها متهم في روايته وفي صحة قوله، ومطعون في ذمته بإقراره عن نفسه، وبرواية معاصريه عنه، واستدلوا على ذلك بما في روايات الأغاني وغيرها، مثل ما ذكر في ترجمته: