وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، ويحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله؛ فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب.
10
هذه هي حقيقة البلاغة عند العرب وجماع القول فيها،
11
وهذا يخالف طريقة الشعر القصصي المعروفة الآن، التي اتخذها الأدباء والكتاب والشعراء قاعدة لهم، بل إن الشعر القصصي المصطلح عليه الآن المسمى عندهم «أبيك» - وهو ما نسميه نحن بالشعر الحماسي - خاص بالحروب وسير الشجعان، وما يلاقونه في حياتهم من الأسفار والحوادث، كما في قصة «الأودسى» لهومروس، وكما في «أنشودة رولند» الفرنسية، التي فيها وصف حرب من حروب شالمان.
والشعر القصصي من لوازمه تسلسل المعنى لاتصال الأبيات بعضها ببعض، وذلك يخالف أصول الشعر العربي وصناعته، قال ابن خلدون في باب صناعة الشعر: «وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه؛ حتى كأنه كلام مستقل عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء، فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقل في إفادته، ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر كذلك، ويستطرد للخروج من فن إلى فن، ومن مقصود إلى مقصود.»
وجملة القول أن الشعر العربي ميزته الأولى أنه شعر وجداني، يمثل العواطف والإحساسات الشخصية، وأنه احتوى في جملته على أنواع كثيرة، وأن هذه الروح الشعرية الفطرية هي سبب ما فيه من المتانة وخفة الروح، وموافقته لكثير من الطبائع؛ فإن أكبر مظاهر البلاغة العربية الأولى هو الشعر، وأكبر منابع الشعر الفطرة والوجدان والخيال والحياة العامة. فالشعر القديم وجداني فطري في أصله ومأخذه، اجتماعي في صورته وشكله؛ لأن به كثيرا من أثر الاجتماع العربي. ولكن الشعر القصصي والشعر التمثيلي بالمعنى المعروف الآن عند الأدباء في بلاغات الأمم الأخرى لا وجود له عند العرب.
12
على أن هذا ليس بمعيب للشعر العربي؛ لأن لكل أمة منزعا، ولكل شعب خيالا خاصا، وطريقة خاصة في التصور والإدراك والصناعة، وشعر العرب في نوعه لا يضارع ولا يجارى في أمة أخرى.
| الشعر الجاهلي
الأمة العربية من أذكى الأمم وأصفاها قريحة، وأكثرها استعدادا للرقي. ولكنها انزوت بطبيعة بلادها في جوف الصحراء فرضيت بحالتها، ورغبت في البقاء عليها، واكتسبت من حريتها المطلقة نوعا من الإعجاب، ففخرت على غيرها، وحسب البدوي نفسه أفضل ما يكون إدراكا، وأكمل ما يكون أخلاقا. تعود الحرية في أعماله، فكان كل رئيس قبيلة مقيدا برأي أهله وعشيرته. وكان العربي كريما يجود بكل شيء، وكان سيفه ورمحه ورحله كل ما يملك، يناديه أصغر إنسان باسمه فلان بن فلان، ومع أنه كان ميالا إلى المساواة، وإلى هذا النوع الذي يسمونه الآن «ديمقراطية» كان يرى نفسه قد خص بمزايا ليست لغيره من الأمم الأخرى؛ مزايا في جنسه وأخلاقه، وعاداته ولغته، وكل شيء لديه، فترفع عن الصناعات والأعمال، ووكل ذلك إلى الخدم والموالي والعبيد، وامتاز هو بالشجاعة والكرم والذكاء، وقوة الخيال الشعري، وبلاغة الكلام.
أما العصبية فكانت أشد ما تكون عند العرب، وهي التي حفظت كيانهم، كما أنها كانت من الأسباب التي هاجت الحرب بينهم، فقد كان العربي يجود بكل شيء في سبيل نصرة قومه وعز قبيلته، وهو مخلص كل الإخلاص؛ لأن ذلك أصبح لديه من أغراض الحياة لحفظ نفسه وأهله.
نشأ العربي على هذه الحرية والسذاجة في العيش، ووهبه صفاء سمائه وصفاء قريحته سهولة الكلام، واكتسب من سهولة عيشه الرضا بما لديه، فلم يكن له هذا النوع من القلق في الفكر، الذي يدعو إلى البحث وحب الاستطلاع، وكان يتهاون بضروب الآلام شأن كل شجاع، ولم يكن يهتم بما سيكون في غده، ولا بالبحث والتنقيب في أسرار الحياة، وكل ما يعرف عن حكمائهم وكهانهم جمل تشتمل على نصائح، وعبارات مملوءة بالحكم والعبرة.