تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل العرب في جاهليتهم لم تنضج عندهم صناعة الشعر نضجا كافيا. ومهما قيل من أن المعلقات لا يصح أن تكون من أوائل الشعر العربي؛ لما بها من الصناعة والإتقان - وذلك يستلزم أن يكون الشعر قد تخطى زمنا طويلا، وأدرك أطوارا مختلفة - فإنا لا نزال نرى فيها سذاجة ظاهرة، وصناعة أولية. وإذا جارينا بعض المستشرقين القائلين بأن كثيرا من الشعر الجاهلي دخيل، كانت السذاجة ممتدة في الصناعة الشعرية إلى ما بعد الإسلام. والحق أن طبيعة السامي غير طبيعة الأمم الأخرى من حيث الخيال والتصور، فقد سلك مسلكا آخر في طرق التعبير غير ما سلكه غيره، ولم يلتفت لمجاراة الأمم الأخرى في بلاغتهم، ولم يسمح له حب لغته والإعجاب بها، أن يقلدهم، أو أن يزيد شيئا لم يكن من مخترعاته، ولا من مميزات لغته؛ فاكتفى بما عنده وقنع بما في يده.

وتقسيم العرب للشعر لم يكن من حيث الأغراض العامة كما قسمناه، وإنما قسموه من جهة النوع، أو من جهة أغراض الشاعر نفسه: كالمدح والذم، والوصف والنسيب، إلى آخر ما هناك. وجاء النقاد فآثروا هذا التقسيم، ولم يفكروا في تقسيم آخر، كما فعل أهل أوروبا في تقسيم الشعر إلى: «أبيك» وإلى «ليريك» ... إلخ. بل كان تقسيمهم جزئيا لا كليا. وذهب بهم ذلك إلى البحث في البيت الواحد أو البيتين، وأكثروا من البحث في اللفظ والديباجة؛ فقسم ابن قتيبة في مقدمة كتابه «الشعر والشعراء» أنواع الشعر «إلى ما جاد لفظه ومعناه، وإلى ما جاد معناه وساء لفظه.» إلى آخر ما قال هناك. وذكر قدامة بن جعفر في كتابه «نقد الشعر» شيئا مثل هذا: كنعت اللفظ «بأن يكون سمحا، سهل مخرج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة.» ونعت الوزن ثم نعت القوافي ... إلخ. وذكر «أن أغراض الشعراء وما هم عليه أكثر حوما، وعليه أشد روما، هو المديح والهجاء، والنسيب والمراثي، والوصف والتشبيه ...» وأخذ يذكر نعوت وشروط هذه المعاني، وكذلك قلده من جاء بعده. فسار الأدباء على هذا النحو، ولم يفتح النقاد بابا جديدا في الشعر، بل ألزموا الشعراء أن يقفوا أثر المتقدمين في موضوعاتهم وأساليبهم، وهذا من الأسباب في وقوف حركة البلاغة عند العرب. فإذا لم تحصل هناك أنواع جديدة، خصوصا في الشعر

9

فلأن المتأخرين اقتفوا أثر المتقدمين فلم يبتدعوا ولم يبحثوا للبلاغة نفسها، وإنما جعلوها وسيلة لا غاية.

ومن أسباب عدم وجود الشعر القصصي عند العرب عدم نظر العربي في الاجتماع نظرة عامة؛ لأن العربي كان يهتم بنفسه وبفوائده الشخصية، ومن هنا جاءت مسألة العصبية، والغرض منها حماية الشخص ضمن قبيلته، وحالته المعيشية تجبره على ذلك، وعيشته البدوية وما فيها من القتال والنزاع سيرت أفكاره في طريق خاص.

والشعر القصصي النفسي يحتاج إلى شيء من التعمل والكلفة، ودقة النظر والفكر، وشيء من المعاني الفلسفية الاجتماعية؛ لأنه يستلزم إظهار البلاغة في معنى فلسفي، بمثل ذلك يمكن أن يفيد الشعر؛ لأنه يصور النفوس تصويرا تاما، ويصور الحياة صورة حقيقية أو قريبة من الحقيقة، وهذا ما قصده العرب من وضع الحكم والأمثال في البيت والبيتين من الشعر. ولكن ذلك لا يفيد الفائدة التي في القصص، وقد أصبح من اللازم الآن أن يضم الكاتب أو الشاعر على كلامه وأفكاره صفة الأشخاص الجسمية أبطال قصصه؛ ليجسم المعنى في نفس القارئ أو السامع، ولتكون أقرب إلى الحقيقة وأدعى إلى العظة.

كل هذا يحتاج إلى الروية والفكر، والعربي لا يعرف الروية في القول ، ولم يتعود كد القريحة، كما قال أبو عثمان الجاحظ: وكل شيء للعرب إنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين أن يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناضلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد؛ فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يعيده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ١٤