ومن هنا أيضا جاءت السرقة في الشعر؛ ذلك لأن المعاني والخيالات محدودة، وفكر الشاعر محدود، فلا بد للشاعر من تكرار المعنى والسطو على معاني غيره يلبسها لباسا آخر من الألفاظ؛ فتجد العاشق يخاف الرقباء ويشكو الجفاء والهجر، ويتألم من طول الليل، ويبكي ألم الفراق. على أن هذه المعاني تختلف باختلاف شعور كل إنسان، وقد يجد فيها الشاعر مجالا واسعا.
4
ولكن شعراء العرب لم يبيحوا لأنفسهم هذه الحرية في القول ولا في الخيال، بل وقفوا أنفسهم على اتباع طريقة الشعر القديم، وأخذ يقلد بعضهم بعضا في المعنى الواحد، ولا أنبئكم بما في باب «سرقة الشعر»؛ فقد يجد الإنسان المعنى الواحد عند عشرات من الشعراء مكررا.
ومع هذا فقد ظن العرب أن شعراءهم طرقوا كل معنى من قديم، ووصلوا إلى كل خيال
5
فوضعوا من أول الأمر القواعد والقوانين في ذلك، ورسموا المعاني وحددوها، وحصروا أنواع الشعر والخيال، وجعلوا لها خطة وقانونا. كما فعل قدامة في كتابه «نقد الشعر»، وتبعه في ذلك من جاء بعده. وروى ابن رشيق «في العمدة»: أن قواعد الشعر أربعة: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب. فمع الرغبة يكون المدح والشكر، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف، ومع الطرب يكون الشوق ورقة النسيب، ومع الغضب يكون الهجاء والتوعد والعتاب الموجع ... وقيل لأحد الشعراء: أتقول الشعر اليوم؟ فقال: والله ما أطرب ولا أغضب ولا أشرب ولا أرغب، وإنما يجيء الشعر عند إحداهن. ورد بعضهم الشعر كله إلى نوعين : مدح وهجاء، قال: «فإلى المدح يرجع الرثاء والافتخار والتشبيب، وما تعلق بذلك من محمود الوصف، كصفات الطلول والآثار والتشبيهات الحسان، وكذلك تحسين الأخلاق، كالأمثال والحكم والمواعظ، والزهد في الدنيا والقناعة، والهجاء ضد ذلك.»
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلت لأعرابي: من أشعر الناس؟ قال: من إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع. فكان الشعر عند العرب وجدانيا على حسب تقسيمهم وفهمهم له، وهذا من مميزاته؛ لأنه كله على هذا النحو، حتى في الشعر الحماسي؛ فإنك إذا قرأت أخبار الحروب وجدت شخصية الشاعر ظاهرة فيها؛ لأنه يفتخر بشجاعته وبحسبه، وذلك يجعل الشعر أقل أثرا في نفس القارئ مما إذا تجرد الشاعر عن نفسه، ودخل فيما يصح أن يكون صورة من صور النفوس الأخرى، وحالة من الأحوال العامة، بخلاف الشعر الاجتماعي.
6
لسنا الآن في موقف يسمح لنا أن نشرح هذه البلاغة العامة أو الاجتماعية شرحا وافيا، ولكنا أردنا أن ندل عليها دلالة إجمالية؛ ليتبين الفرق بين البلاغتين. وليس لنا ولا لإنسان أن ينكر أن هذا النوع من البلاغة لا يوجد عند العرب وجوده في بلاغات الأمم الأخرى. أجل، إن الحكم والمواعظ تملأ أشعار العرب. ولكن هذا النوع من البلاغة النفسية
7 (بسكلوجية) لا تكاد توجد عند العرب، وإن وجدت فهي قليلة نادرة ندور وجود الشعر القصصي؛ لأن «تحليل» نفس من النفوس الإنسانية لا يكون، ولا يمكن أن يكون، إلا في القصص الطويلة التامة. والشعر العربي لا يعرف القصص الطوال، وإن وجدت قصيدة أو قصيدتان في ذلك فلا يصح أن يحكم به على الشعر العربي؛ لندورته. ويكفي في ذلك أن أصبح الغزل افتتاح كل قصيدة، كذكر الغرام ووصف الدمن، وبكاء الأطلال؛ حتى صار ذلك طابعا من طوابع الشعر العربي، وإن كان الشاعر لم يعشق عمره، ولم يتذوق للغرام معنى، ولو كان المقام لا يصح فيه ذكر العشق.
8
غير أن هذه هي طريقة الشعر العربي وذلك أسلوبه، فلا يعاب عليه ذلك، كما أن شعراء اليونان كانوا يبدءون شعرهم بمناجاة ربة الشعر؛ لأن هذا أثر يدل عليهم ويميزهم من غيرهم؛ كذلك الشعر العربي سواء بسواء.
ومهما يكن من شيء، فإنا إذا بحثنا في الشعر العربي عن قصص طويلة مستوفاة لا نجد لها أثرا، كما نجد ذلك عند جميع الأمم الأخرى، وقد قال بعض المستشرقين: إن العرب كجميع الأمم السامية لا يعرفون الشعر القصصي الطويل، وإنه من طبيعة السامي أن يختصر القول اختصارا، ويقصد إلى الحكمة فيضعها في كلمة أو كلمتين، ويعمد إلى الفكر الكبير فيسطره في بيت أو بيتين، وإنه من شروط الشعر عنده أن يشتمل كل بيت على معنى تام، ويكون قائما بذاته. قالوا: ولذلك كثرت الأمثال والحكم عندهم.