. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال ابن عباس: إنه لما اعتَزَلَت الخوارجُ دخلوا دارًا وهم ستة آلافٍ، وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب وأصحاب النبي ﷺ معه. قال: وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين، إن القوم خارجون عليك- يعني عليًا- فيقول: دَعُوهُم، فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلونى، وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم، أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين، أبرِدْنا بصلاة، لَعَلي أدخلُ على هؤلاء القوم فأكلمَهم. فقال: إني أخافهم عليك. فقلت: كلا، وكنت رجلًا حَسَنَ الخُلُق لا أوذي أحدًا، فَأذِن لي، فلبست حُلة من أحسن ما يكون من اليمن، وتَرَجلتُ، ودخلتُ عليهم نصفَ النهار، فدخلتُ على قوم لم أر قومًا قط أشَد منهم اجتهادًا، جباههم قَرِحَت من السجود، وأيديهم كأنها ثَفِنُ الأبل (أي: ركبها الغليظة)، وعليهم قُمُصٌ مُرَحضَة (أي: مغسولة)، مشمرين مُسَهَّمَة وجوههم (أي: متغيرة ألوانها) من السهر، فسلمتُ عليهم، فقالوا: مرحبًا يا ابن
عباس، ما جاءَ بك؟ قال: قلت: أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صِهْر رسولِ الله ﷺ علي، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله. فقالت طائفة منهم: لا تُخاصموا قريشا فإن الله قال: (بل هم قوم خَصِمُون)] الزخرف: ٥٨ [. فقال اثنان أو ثلاثة: لنُكَلِّمنه. فقلت لهم: تُرى ما نَقَمتُم على صهر رسول الله ﷺ، والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآنُ، وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله منكم؟ قالوا: ثلاثًا. قلت: ماذا؟ قالوا: أما إحداهن: فإنه حَكم الرجال في أمر الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: (إنِ الحُكْمُ إلا لله)] الأنعام: ٥٧، ويوسف: ٤٠ و٦٧ [، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟ فقلت: هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل ولم يَسْب ولم يَغْنَم، فلئن كانوا مؤمنين ما حَل لنا قتالهم وسِباهم. قلت: وماذا الثالثة؟
قالوا: إنهَ مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، إن لم يكن أميرَ المؤمنين، فإنه لأمير الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا. قلت لهم: أما قولكم: حَكم الرجال في أمر الله عز وجل، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله عز وجل ما ينقض قولكم، أفترجعون؟
قالوا: نعم. قلت: فإن الله عز وجل قد صَيَّر من حكمه إلي الرجال في ربع درهم ثمن أرنب، وتلا هذه الآية: (لا تَقْتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ) إلي آخر الآية] المائدة: ٩٥ [، وفي=