ترك سيبويه من بعده تلاميذه، وكان من أشهرهم أبو الحسن الأخفش الأوسط، والناشئ، وأبو علي قطرب، وترك كتابه العظيم الذي سنتحدث عنه فيما بعد. (13) من أرخ لسيبويه
لم يدرس سيبويه إلى اليوم الدراسة التفصيلية التي يستحقها إمام ألف أول كتاب وصل إلينا في قواعد اللغة، وأقدم ترجمة اهتديت إليها لسيبويه في كتاب أخبار النحويين البصريين للسيرافي المتوفى سنة ثلاثمائة وثمان وستين للهجرة، وهي ترجمة موجزة، تحدث فيها عن اسمه وبعض أساتذته وزملائه وتلامذته وكتابه، ولم يحدد بالزمن سني حياته ووفاته، ولا مكان موته، وفي كتاب «الفهرست» لابن النديم المتوفى سنة 385 خمس وثمانين وثلاثمائة هجرية ترجمة موجزة كذلك، وتحدث فيها عما تقدم، وأضاف إليه خبر رحلته إلى بغداد، وحدد سنة وفاته .
كنا نطمع من هذين العالمين أن يشفيا غليلنا من سيبويه لقرب عهدهما به، ولكن منهجهما في التأليف وخطتهما التي اتبعاها في الإيجاز حرمتنا من معارف كثيرة كانا يستطيعان أن يقدماها إلينا.
وفي «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة هجرية ترجمة لسيبويه، نهج فيها المؤلف منهجه في ذكر الروايات المختلفة بأسانيدها، وفي هذه الترجمة بعض الطول، وهي تحوي روايات متعارضة من مصادر مختلفة.
وفي القرن السادس للهجرة كتب صاحب «نزهة الألباء» المتوفى سنة 577ه، وهو كوفي يتعصب للكوفيين، فصلا يشبه إلى حد كبير فصل الخطيب البغدادي، ولم يبين وجه الصواب في الخلاف بين سيبويه والكسائي، ولكنه لم يستطع أن ينكر مواهب سيبويه ولا فضل كتابه، أما صاحب «معجم الأدباء» المتوفى سنة 626ه، فقد عقد لسيبويه فصلا مطولا، هو أطول ما كتب عن سيبويه إلى ذلك الحين، وفيه عيوب التأليف في تلك العصور، فلا ترتيب ولا تبويب، ولكنها روايات تجمع، ينتقل فيها من موضوع إلى غيره بلا صلة ولا رباط، وإن كانت له تحقيقات نافعة في كثير من الأحيان، كتحقيق سن سيبويه عند وفاته، كما تناول الحديث عن سيبويه في مواضع شتى، وفي هذا الكتاب نقل لرواية لم يمحصها وتركها كما رواها، قال: نقلت من خط أبي سعد السمعاني، مما انتخبه من طبقات أهل فارس وشيراز، تأليف الجاحظ أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الشيرازي القصار، بشير بن سعيد، وقيل: عمرو بن عثمان بن قنبر، يكنى أبا بشر سيبويه النحوي، «أخذ» عن الخليل بن أحمد، وهو من الحارث بن كعب، مات وكان على مظالم فارس، وقبره في شيراز، لم يزد في ترجمته على هذا. وأقول أنا بدوري: إن ياقوت لم يزد عن أن نقل هذه الترجمة ولم يمحصها، فهل ولي سيبويه مظالم فارس؟ أستبعد ذلك؛ إذ لم يرو غيره من المؤرخين نبأ كهذا، والمترجم يخطئ حتى في اسم سيبويه، مما يجعل هذه الترجمة تافهة قليلة القيمة.
عن هذه الكتب الخمسة أخذ ابن خلكان الذي توفي سنة 681ه، وقد عقد له فصلا موجزا ليس فيه من جديد سوى ضبط اسم سيبويه في العربية والفارسية. وأخذ السيوطي أيضا المتوفى سنة 911ه في كتاب «بغية الوعاة»، وأخذ المحدثون من أمثال جورجي زيدان، والرافعي، والإسكندري.
والأستاذ أحمد أمين في كتابه «ضحى الإسلام» قد تناول بالحديث نشأة النحو والتأليف فيه، ومدرسة البصرة والكوفة، وتحدث حديثا مجملا عن كتاب سيبويه، وذكر أن دراسة الكتاب وتحليله يحتاجان إلى فصل مطول.
وقد عرف المستشرقون سيبويه، وكتب عنه وعن مدرستي البصرة والكوفة وعن تلاميذه وأساتذته المستشرق
Huart
في كتابه
La Littérature arabe (الأدب العربي)، وتحدث عنه وعن كتابه وحقق اسمه، وترجم بعض فصول كتابه إلى الفرنسية المستشرق المعروف
Silvestre De Sacy
في كتابه
Anthologie Gramaticale arabe (مختارات من قواعد اللغة العربية)، وذكر الأستاذ جورجي زيدان في كتابه أن المستشرق ديرنبورج طبع سيبويه في مجلدين كبيرين في 1000 صفحة كبيرة، عليها تعاليق مفيدة، ومقدمة باللغة الفرنسية عن مسودات هذا الكتاب ومظانها، وما قيل فيها، وقد نقله إلى الألمانية الدكتور ياهن وطبع في برلين، والآن يجدر بنا أن نزن كتاب سيبويه، وأن ندرسه ونحلله، لنعرف قيمته الحقيقية.