تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| كتاب سيبويه

(1) موقف الأقدمين منه

قال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات، ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، وقلت له: أردت أن أهدي لك شيئا، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر أشرف من هذا الكتاب، وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء. قال: والله ما أهديت إلي شيئا أحب إلي منه.

وذكر صاعد بن أحمد الجياني من أهل الأندلس في كتابه قال: لا أعرف كتابا ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب؛ أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب أرسطاطاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له.

وقال السيرافي: كان كتاب سيبويه لشهرته وفضله علما عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب، فيعلم أنه كتاب سيبويه، وقرأ نصف الكتاب، ولا يشك أنه كتاب سيبويه. وكان محمد بن المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول له: هل ركبت البحر؟ تعظيما له واستصعابا لما فيه.

وكان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه، فليستح.

وقال الزمخشري في هذا الكتاب:

ألا صلى الإله صلاة صدق

على عمرو بن عثمان بن قنبر

فإن كتابه لم يغن عنه

بنو قلم ولا أبناء منبر

تلك كانت نظرة الأقدمين إلى كتاب سيبويه نظرة التقدير والتعظيم، ولم يقتصر إجلال الكتاب على المعجبين بسيبويه، بل كان خصومه في تقديره والارتفاع به كالمحبين، حدث الأخفش - كما سبق أن روينا - أنه قرأ كتاب سيبويه على الكسائي في جمعة، فوهب له سبعين دينارا، قال: وكان الكسائي يقول له: «هذا الحرف لم أسمعه، فاكتبه لي، فأفعل.»

قيل: فكأن الجاحظ سمع هذا الخبر، فقال مما يعدده من فخر أهل البصرة على أهل الكوفة: وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان، وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله!

وحدث أبو الطيب اللغوي عن أبي عمر الزاهد قال: قال ثعلب يوما في مجلسه: مات الفراء (وهو كوفي كما نعلم) وتحت رأسه كتاب سيبويه.

والآن لكي نستكمل البحث نرى أن ندرس النقط الآتية: (1)

متى ألف سيبويه كتابه؟ (2)

متى ظهر الكتاب للجمهور؟ (3)

من روى هذا الكتاب؟ (4)

ثم ندرس خطة المؤلف وأسلوب عرضه. (5)

ونبحث بعد ذلك مصادر الكتاب، وشخصية المؤلف، وأثر الكتاب في دراسة النحو، وآراء منتقديه. (6)

ونختم البحث برأينا في الكتاب. (2) متى ألف سيبويه كتابه؟

تاريخ تأليف هذا الكتاب مجهول كل الجهل، ولم تذكر كل كتب التاريخ أن الكتاب ظهر في حياة مؤلفه، فالسيرافي والمؤرخون من بعده قد ذكروا أن الكتاب لم يظهر في حياة سيبويه، ولكنه ظهر بعد وفاته، والذي نقله عنه ورواه للجمهور تلميذه الأخفش، قال السيرافي: والطريق إلى كتاب سيبويه، الأخفش؛ وذلك أن كتاب سيبويه لا نعلم أحدا قرأه على سيبويه، ولا قرأه عليه سيبويه، ولكنه لما مات سيبويه قرئ الكتاب على أبي الحسن الأخفش، وكان ممن قرأه عليه أبو عمرو الجرمي، وأبو عثمان المازني. وقال ياقوت في معجمه: وكان الأخفش يستحسن كتاب سيبويه كل الاستحسان، فتوهم الجرمي والمازني أن الأخفش قد هم أن يدعي الكتاب لنفسه، فتشاورا في منع الأخفش من ادعائه، فقالا: نقرؤه عليه، فإذا قرأناه عليه أظهرناه، وأشعنا أنه لسيبويه، فلا يمكنه أن يدعيه. فأرغبا الأخفش وبذلا له شيئا من المال على أن يقرآه عليه، فأجاب، وشرعا في القراءة، وأخذا الكتاب عنه، وأظهراه للناس.

وتلك قصة تدل على أن الأخفش هو الراوي الوحيد لكتاب سيبويه، ويفهم منها أن كثيرا من الناس كان يعلم بتأليف سيبويه للكتاب، بل أرجح أن بعض أجزاء الكتاب كان معروفا للجمهور، وكذلك بعض ما استشهد به سيبويه من الشعر، بدليل ما ذكرناه من أن الأصمعي وجه هذا الشعر توجيها غير توجيه سيبويه، واضطر سيبويه إلى مناظرته كما ذكرنا. وإذا فالذي كان مجهولا هو الكتاب كاملا، أما بعضه فكان معروفا عند الجمهور، ولو أن أمر الكتاب كان مجهولا بالكلية، ولم يكن يعلم أحد أن سيبويه قد ألف كتابا لكان من الميسور الشك في نسبته إلى مؤلفه من ناحية، وهو ما لم يروه مؤرخ، بل الإجماع منعقد على أن هذا الكتاب لسيبويه.

سيبويه: حياته وكتابه · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيبويه: حياته وكتابهص ٩