تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحديدنا سنة وفاته بمائة وثمانين تحديد ترجيحي كذلك، وحسبي أن أذكر أن بعض الرواة يضعها سنة إحدى وستين ومائة، وابن الجوزي يضعها سنة أربع وتسعين ومائة، والفرق بين التاريخين ثلاث وثلاثون سنة، أما سبب ترجيحنا فإن أكثر الرواة عليه، ويرجحه ابن الأنباري، بدليل أنه مات قبل الكسائي، والكسائي مات سنة ثلاث وثمانين ومائة.

كانت سن سيبويه عندما توفي تزيد على الأربعين، وعلى حسب ما حددنا تكون سنه زهاء خمس وأربعين سنة، وهو المعقول بموازنة التواريخ، فليس بمعقول إذا أن نقبل قول الأستاذ أحمد أمين الذي يضع تاريخ وفاته في الثمانين بعد المائة، ثم يقول إنه مات وعمره نيف وثلاثون سنة؛ لأننا قلنا إنه أخذ عن عيسى بن عمر الذي توفي سنة تسع وأربعين ومائة، فيكون سيبويه حينئذ في المهد صبيا. (10) أخلاقه ومواهبه

كان سيبويه ذكيا، متوقد الذكاء، ذا عقل منطقي متزن، يحسن التفريع والتعليل، وكتابه خير دليل على ذلك، ثم هو طموح لم يرض بحظه في البصرة وأنه أصبح شيخها، بل أبى إلا أن يكون وحيد دهره، لا عالم فوقه في العالم الإسلامي، وإلى جانب طموحه كان واثقا بنفسه تمام الثقة، يؤمن بقدرته في النحو قدرة فائقة. عن أبي عثمان المازني قال: حدثني الأخفش قال: حضرت مجلس الخليل، فجاءه سيبويه، فسأله عن مسألة، وفسرها له الخليل فلم أفهم ما قالا، فقمت وجلست له في الطريق، فقلت له: جعلني الله فداءك، سألت الخليل عن مسألة فلم أفهم ما رد عليك، ففهمنيه. فأخبرني بها فلم تقع لي ولا فهمتها، فقلت له: لا تتوهم أني أسألك إعناتا، فإني لم أفهمها ولم تقع لي. فقال لي: ويلك، ومتى توهمت أنني أتوهم أنك تعنتني؟! ثم زجرني، وتركني ومضى. وذهابه إلى بغداد وطلبه مناظرة الكسائي تدلنا على هذا الخلق الثابت في نفسه، ولكنه لم يكن مع ثقته بنفسه وطموحه من هؤلاء المتعجرفين الذين تمل عشرتهم ويكره قربهم، بل كان محببا إلى نفس سامعيه ومجالسيه، والروايات كثيرة تدل على ظرفه وكياسته. حدث ابن النطاح قال: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبا بزائر لا يمل. قال: وكان كثير المجالسة للخليل، وما سمعت الخليل يقولها لغيره.

وكان إلى جانب ذلك - على ما يظهر لي - مفرط اليأس إذا يئس، فلم يستطع أن يقاوم الصدمة التي مني بها عندما أخفق في رحلته إلى بغداد، ولعله أراد أن يحارب اليأس الذي حل به، فقيل: إنه سأل عن أمير له في النحو أرب، وخرج يريد بني طاهر في خراسان، كما يروى، ولكن الألم الذي حز في نفسه لم يفارقه حتى مات.

هذا وقد تحدثنا عن لكنته فيما مضى، وبينا أثرها في إخفاقه في المناظرات. (11) أسرته

أتزوج سيبويه وكون بيتا، أم وهب نفسه للعلم وكرس حياته له؟ لا يروي التاريخ شيئا يتعلق بذلك، وأغلب الظن أن سيبويه عاش حياته كلها للعلم والتعليم، ونستأنس لذلك بأن الروايات التي تتحدث عن وفاته، وتصف لحظاته الأخيرة، لا تتحدث عن زوجة ولا ولد، وكل ما يذكره التاريخ له من الأقارب أخ، يظهر أن الحب والمودة كانت تربطهما معا بأوثق رباط، ولعل سيبويه لم يكن له أخ سواه، قالوا: ولما اعتل سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه، فبكى أخوه لما رآه لما به، فقطرت من عينه قطرة على وجه سيبويه، ففتح عينه فرآه يبكي، فقال:

أخيين كنا، فرق الدهر بيننا

إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا

لم يترك سيبويه ذرية من بعده، ولكن ترك ذكرا مخلدا، واسما سوف يبقى ما بقيت اللغة العربية، وما بقي دارس لهذه اللغة، ولقد نال سيبويه في حياته من الشهرة وذيوع الصيت ما لم ينله قبله إلا أستاذه العظيم الخليل بن أحمد، بل لقد صار اسمه يذكر بجانب أستاذه كلما تحدث الناس عن أعظم علماء النحو، ولم تقف شهرته عند العلماء، بل لقد كان مشهورا كذلك بين جمهور الشعب، يتأثرونه ويقلدونه، حدث التاريخي عن المبرد عن الزواوي أبي زيد قال: قال رجل لسماك بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان. فضحك الرجل، فقال السماك: ويلك، أنت أحمق، سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان. (12) تلامذته

سيبويه: حياته وكتابه · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيبويه: حياته وكتابهص ٧