تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استفاد سيبويه، ومن حقه أن يستفيد، من الكتب السابقة، ونقل أيضا عن أساتذته الذين تحدثنا عنهم فيما مضى، وكلهم من البصريين، ولم يأخذ إلا عن الرؤاسي من الكوفيين، ناقلا عن كتابه الذي سماه: الفيصل - كما ذكر ذلك ياقوت - وأكثر من روى عنه الخليل بن أحمد، وإن سيبويه ليقف منه في الكتاب موقف التلميذ من أستاذه، يسأله عن الأحكام والعلل وفروق القياس، ويثبت إجابة الخليل، بل لقد نقل إلينا في فصل من فصول الكتاب درسا من دروسه، فقد عقد بابا عنوانه: هذا باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد (ص61، ج2)، قال: قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في لك والكاف التي في مالك والباء التي في ضرب؟ فقيل له: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف. وقال: أقول كه وبه. فقلنا: لم ألحقت الهاء؟ فقال - وهنا أوجه النظر إلى مثل من أمثلة القياس الذي كان يستخدمه الخليل - قال: رأيتهم قالوا: عه، فألحقوا هاء حتى صيروها يستطاع الكلام بها؛ لأنه لا يلفظ بحرف، فإن وصلت قلت: وب، فاعلم يا فتى، كما قالوا: ع يا فتى. ويمضي سيبويه بعد ذلك ناقلا أسئلة الخليل وأجوبته وأجوبة تلاميذه، ونستطيع أن نأخذ من ذلك صورة لسير الدروس في ذلك الحين، فقد كانت تسير على طريقة المناقشة لا الإلقاء.

ونقل سيبويه كثيرا عن يونس أيضا، حتى لقد ينقل عنه أبوابا برمتها، ففي الكتاب فصلان في التصغير نقلهما عنه، وقال: وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب، وما أذكر لك في الباب الذي يليه قول يونس. كما كان يروي عن أبي الخطاب الأخفش الكبير، ويقول: حدثني من أثق بعربيته ... ويريد: أبا زيد، كما سبق أن ذكرنا، ويحكي أقوال أبي عمرو بن العلاء، ويوازن بينها وبين قول الخليل ويونس، وكان رائده الحق، فلا يتعصب للخليل، بل للصواب، فنسمعه يقول أحيانا: وقول يونس أقوى. وأحيانا يروي عن العرب مباشرة ويقول إنه سمع منهم، وذلك كله يدل على سعة اطلاع سيبويه وتضلعه. (7) شخصية المؤلف

استفاد سيبويه - ولا ريب - من الكتب المؤلفة قبله، وأخذ عن أساتذته - كما ذكرنا - فهل أفنى كل ذلك شخصية المؤلف، فأصبح جماعا ليس غير؟

إن كتاب سيبويه لتطل منه شخصيته واضحة قوية فيما يأتي:

أولا:

أسلوبه، فالمعلومات قد يتلقاها المرء من هنا ومن هنا، ولكن وضع هذه المعلومات في أسلوب خاص وطريقة خاصة من طرق التعبير هو ما يميز شخصا من آخر، يقول

Buffon

في حديثه عن الأسلوب: إن الموضوعات والمكشوفات تسرق، وتنتقل، وتكتب أيضا بأيد أكثر مهارة، إن هذه الأشياء خارجة عن الرجل، أما الأسلوب فالرجل نفسه، وإذا فشخصية سيبويه واضحة كل الوضوح في أسلوبه الذي صاغ به معلوماته التي أخذها من جميع المصادر المعروفة في ذلك الحين.

ويقول بعض المؤرخين: إن الكتاب معقود بلفظ الخليل، وهو ما لا أوافق عليه، فالكتاب بين أيدينا معقود بلفظ سيبويه، وما نقله عن الخليل أو غيره نسبه إليه في صراحة، وقد تحدثنا عن أسلوب سيبويه فيما مضى.

ثانيا:

تبويب الكتاب وتقسيمه وترتيبه، وذلك من صنع سيبويه، ولا نستطيع أن نعرف إلى أي مدى استفاد من تبويب الكتب السابقة؛ لأنها لم تصل إلينا.

ثالثا:

الاستنباط وحسن التعليل والبرهنة والتفريع، وحظ سيبويه من ذلك حظ غير يسير، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب من استنباط يسوقه، أو تعليل يأتي به، أو برهان يقدمه، أو تفريغ يذكر أحكامه المختلفة، مما يدل على عبقرية ممتازة وشخصية قوية لا تكتفي بالنقل والتقليد.

شخصية سيبويه واضحة إذا في كتابه كل الوضوح، فالكتاب كتاب سيبويه، كتبه بقلمه، وصاغ أسلوبه بفكره، واشترك فيما فيه من استنباط وتعليل وبرهنة وتفريع، وهل يعظم الخليل سيبويه إلا إذا كان قد رآه آخذا طريقته، مجيدا للتعليل والقياس والتفريع. (8) شواهد الكتاب

سيبويه: حياته وكتابه · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيبويه: حياته وكتابهص ١٣