تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للكتاب مصدران من الشواهد، هما : القرآن الكريم، وكلام العرب وأشعارهم وأمثالهم وحكمهم، وفي العصر القديم احتاج العلماء إلى شعر العرب يستنبطون منه قواعدهم، ويثبتون به آراءهم، وكانوا يستشهدون على ذلك بأشعار الطبقتين من الجاهليين والمخضرمين، ثم اختلفوا في الإسلاميين كجرير والفرزدق، والأكثر على جواز الاستشهاد بأشعارهم، وكان أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة ومن على شاكلتهم، ويعدونهم من المولدين الذين لا يجوز الاستشهاد بكلامهم، وقد كان بين ابن أبي إسحاق وبين الفرزدق خصومة ونزاع، فقد سمع الفرزدق يقول:

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

من المال إلا مسحتا أو مجلف

فرأى أن «مجلف» في رفعها لا تناسب مسحتا في نصبها، فاعترض على الفرزدق، فهجاه الفرزدق بقوله:

فلو كان عبد الله مولى هجوته

ولكن عبد الله مولى مواليا

فاعترض ابن أبي إسحاق على قوله «مولى مواليا» أيضا، وقال: بل هو مولى موال، وسمع قول الفرزدق:

مستقبلين شمال الشام تضربنا

بحاصب كنديف القطن منثور

على عمائمنا تلقى وأرحلنا

على زواحف تزجى، مخها رير

1

فقال ابن أبي إسحاق: إنما هو رير. وخالفه يونس، فقال: إن ما قاله الفرزدق جائز حسن. فلما ألحوا على الفرزدق قال: زواحف تزجيها محاسير.

ولكن الثقات مجمعون على أن الاستشهاد بالشعراء جائز به وبطبقته، وبمن جاء بعده من المحدثين الذين ينتسبون في العرب، ولم يتجاوز الثقات بهم مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، روى ابن قتيبة عن الأصمعي أنه قال: ساقة الشعراء ابن ميادة (سنة 149) وابن هرمة ورؤبة (سنة 145) وحكم الخضري وجميعهم من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية.

هذا، وقد كان البصريون يجتهدون - كما ذكرنا - في أن يتعرفوا قائل الشعر، وخلوص عربيته، ولا يأخذون شواهدهم إلا من العرب الخلص الذين لم تفسد ألسنتهم بمجاورة الأعاجم، وهم يتثبتون قبل أن يستنبطوا، أما الكوفيون فليس لهم ما لهؤلاء من التدقيق والتحقيق.

وقد بذل سيبويه جهده في تخير شواهد كتابه، وأخذ هذه الشواهد عن الجاهلية كزهير والنابغة، والمخضرمين كحسان والحطيئة، وشعراء الأمويين كجرير والفرزدق والكميت وابن أبي ربيعة وابن قيس الرقيات وجميل والأخطل، وأخذ عمن قال الثقات إن شعرهم آخر شعر يحتج به، وهم: ابن ميادة وابن هرمة ورؤبة بن العجاج، فكان موقفه من هؤلاء الإسلاميين غير موقف أبي عمرو بن العلاء وصحبه، ولست أدري رأي سيبويه في بيت الفرزدق: «مستقبلين شمال الشام ...» ولعله يوافق رأي أستاذه يونس، من جوازه واستحسانه، ولا رأيه في البيت الأول: وعض زمان ... أما رأيه في البيت الثاني، فقد ذكره في الجزء الثاني من كتابه (ص58) وبين أن الخليل قد خرجه على الضرورة الشعرية التي تحفظ ولا يقاس عليها.

أما موقف سيبويه من بشار فلم يستشهد بشعره في كتابه، وروي أن سيبويه طعن على بشار في قوله:

فالآن أقصر عن سمية باطلي

وأشار بالوجلى علي مشير

وفي قوله:

على الغزلى مني السلام فربما

لهوت بها في ظل مرءومة زهر

وفي قوله يصف سفينة:

تلاعب نينان البحور وربما

رأيت نفوس القوم من جريها تجري

وقال: لم يسمع من الوجل والغزل فعلى، ولم أسمع بنون ونينان، فبلغ ذلك بشارا، فغضب وهجاه - وكلنا يعلم مرارة لسان بشار - بقوله:

أسبويه يا ابن الفارسية ما الذي

تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ؟!

أظلت تغني سادرا في مساءتي

وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ!

وأي هجاء أبلغ من حذف المفعول في الفعلين: تعطي وتأخذ، فيقال إن سيبويه توقاه بعد ذلك، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا لشره، ولعل بشارا أراد أن يحتج سيبويه بشعره، فغير نينان البحور وجعلها تيار البحور.

هذا، وأما جمع نون على نينان فقد أثبته صاحب القاموس واللسان، وحكى السيد المرتضى في شرح القاموس تخطئة سيبويه لبشار، ثم قال: واستعمله المتنبي وغلطوه أيضا.

سيبويه: حياته وكتابه · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيبويه: حياته وكتابهص ١٤