تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه صورة لباب من الأبواب التي تناولها الكتاب، ذكرت مسائله موزعة في أماكن شتى، تبعا للمناسبات التي تستدعيها، ولكن من الواجب أن أشير إلى أنه ليس كل الأبواب في الكتاب كباب الحال، بل بعضها أفضل منه حظا، فذكرت مسائلها متقاربة نوعا من التقارب، كما كان بعضها أسوأ منه حظا، فعرضت مبعثرة متناثرة.

وعذر سيبويه في ذلك كله أمران؛ أولهما أن ترتيب أبواب النحو الترتيب النهائي لم يكن قد تم بعد، وثانيهما ما رجحناه من أن سيبويه لم يضع كتابه في وضعه النهائي كما أسلفنا. (5) أسلوب الكتاب

كتاب سيبويه كتاب موضوع للعلماء، وهو من أجل ذلك موجز، كل كلمة فيه موضوعة لمعنى، فهو يشبه مع ضخامته متنا من المتون؛ ومن أجل ذلك وضع عليه العلماء كثيرا من الشروح، وقد يستغرب أن أقول: إنه مع الإيجاز يلتزم جانب التفصيل والتوضيح لما يتناوله حتى يستوفيه، ولكن لا محل للغرابة إذا ذكرنا أنه مع التفصيل يلتزم جانب الإيجاز أيضا، والذي ساعده على التفصيل تجزئة الموضوع إلى أبواب كثيرة يستوفي في كل باب منها مسألة، يذكر قاعدتها وأمثلتها ويفرعها ويفرض فروضا يضع لها أحكاما، ويذكر فيها الآراء المختلفة.

وهذا الإيجاز الذي تحدثت عنه يسبب في أحيان كثيرة غموضا وإبهاما والتواء، مما يحتاج إلى إعمال الروية والتأني في فهم غرض المؤلف، ولست أرمي إلى أن الكتاب غامض أنه غير مفهوم، بل أريد أن أثبت أن الغموض واقع في بعض الفصول، ولكنه في الأغلب واضح، غير أنك لا تستطيع مع ذلك أن تقرأه إلا وأنت متريث على مهل، وأسلوب الكتاب يرمي إلى التفهيم لا التأثير، ومع ذلك لا أستطيع أن أخفي ضعف الإبانة في كثير من صفحات الكتاب. (6) مصادر الكتاب

وبعد، فمن المستبعد أن يظهر كتاب شامل في النحو والصرف ككتاب سيبويه من غير أن يكون قد سبقته محاولات اقتبس منها، وسار على هداها، وهم يقولون لذلك: إن سيبويه قد اقتبس ممن سبقه، ولا سيما عيسى بن عمر الثقفي، الذي ألف كتابين في هذه المادة، سماهما: الإكمال والجامع، ويروون أن الخليل قال فيهما:

ذهب النحو جميعا كله

غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك إكمال، وهذا جامع

فهما للناس شمس وقمر

غير أن هذين الكتابين لم يبقيا، وعفى على آثارهما كتاب سيبويه، ويظهر لي أنه من الحق أن نعد كتاب سيبويه ثمرة لكل الجهود التي قام العلماء والمؤلفون بها، منذ بدأ أبو الأسود هذا النحو، فجمع سيبويه ما تفرق في كتبهم، وما استشهدوا به من شعر، ورتبه ونظمه، وأضاف إليه ما سمعه بنفسه.

وهكذا يجب أن نفهم ما قاله ثعلب: اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا، منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل؛ فليس معناه أن واحدا وأربعين إنسانا اشتركوا مع سيبويه في تأليف كتابه، ولكن معناه أن سيبويه قد انتفع بعلم من سبقه - وقد كانوا كثيرين - وبنتائج أبحاثهم.

أما هذه الرواية التي نقلها ابن خلكان في ترجمة عيسى بن عمر حين قال: وأخذ سيبويه عنه النحو، وله الكتاب الذي سماه: الجامع في النحو، ويقال: إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبسطه وحشى عليه من كلام الخليل وغيره، ولما كمل بالبحث والتحشية نسب إليه، وهو كتاب سيبويه المشهور. قال ابن خلكان: والذي يدل على صحة هذا القول أن سيبويه لما فارق عيسى بن عمر المذكور، ولازم الخليل بن أحمد، سأله الخليل عن مصنفات عيسى، فقال له سيبويه: صنف نيفا وسبعين مصنفا في النحو، وإن بعض أهل اليسار جمعها، وأتت عنده عليها آفات، فذهبت ولم يبق منها في الوجود سوى كتابين؛ أحدهما اسمه الإكمال، وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر الجامع، وهو هذا الكتاب الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه. فأطرق الخليل ساعة ثم رفع رأسه وقال: رحم الله عيسى. وأنشد: ذهب النحو ... إلخ.

أما هذه الرواية فمنقوضة لا أساس لها من الصحة فيما أرى، وهي أقرب إلى التأليف منها إلى الحق والصواب، فغريب ألا توجد من مؤلفات عيسى سوى نسخة واحدة عند هذا الثري، وغريب أيضا أن تأتي الآفة على جميع كتبه غير هذين الكتابين، هذا إلى أنني أستبعد على الخليل بن أحمد، ومنزلته في النحو منزلته ألا يكون قد اطلع على أهم ما خلفه عيسى بن عمر، وأستبعد عليه، وهو الرجل الذي يزن كلامه بميزان الذهب أن يتحدث عن كتابين لم يرهما هذا الحديث المليء بالإكبار والإعجاب، وأستبعد عليه أيضا أن يظل جاهلا أن تلميذه يقرأ عليه كتاب الجامع ليشرحه ويحشوه. هذا وكتاب سيبويه ليس فيه ما يدل على أن أصله متن وشرح، ولكنه كتاب وضع وضعا ابتدائيا كذلك، وليس معنى هذا أنه لم ينتفع بكتابي عيسى بن عمر، بل قد انتفع بهما وبغيرهما، شأنه في ذلك شأن كل مؤلف محترم حتى عصرنا الحاضر ، يريد أن يضع كتابا قيما، فمن المحتم عليه أن يرجع إلى ما سبقه من الكتب يستفيد بنتائجها وتجاربها، ولا يعد ذلك عيبا في المؤلف أو نقصا في كتابه، بل إنه ليعد ناقصا مقصرا إذا لم يرجع إلى الكتب المؤلفة قبله.

سيبويه: حياته وكتابه · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيبويه: حياته وكتابهص ١٢