ثالثا:
يذكر سيبويه الباب العام، ثم يعقد لكل مسألة من مسائله تقريبا بابا خاصا يعالجها، فهو يعنون مثلا للتصغير، ويذكر صيغه المختلفة، ثم يعقد أبوابا للمسائل الجزئية فيه، فتجد بابا لتصغير ما يكون على خمسة أحرف، وآخر لتصغير المضاعف، وبابا لتصغير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته الزيادة للتأنيث، وأبوابا أخرى لفروع التصغير المختلفة.
رابعا:
يذكر مسائل في أبواب نضعها نحن تحت عنوانات أخرى، فمثلا هو يعد في أبواب الفاعل بابا للفاعل الذي لم يتعده فعله إلى مفعول، وبابا آخر للفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول، وبابا ثالثا للفعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين، بينما نحن الآن نضع ذلك تحت عنوان الفعل المتعدي واللازم.
خامسا:
لا يذكر دائما مسائل الباب الواحد سلسلة متصلة متتابعة، بل يذكر بعضها في موضع وبعضها الآخر في موضع ثان، بعد أن يفصل بينهما في كثير من الأحيان بأبواب أخرى، وتذكر هذه المسائل لمناسبات تستدعيها.
سادسا:
إن الاصطلاحات النحوية لم تكن قد استقرت بعد؛ ومن أجل ذلك نجده يضع عناوين طويلة لأبواب، وغالبا ما تكون هذه العناوين غير مفهومة لنا، فترى نفسك مضطرا إلى العودة إلى صلب الكتاب لتفهم المقصود منها، وقلما تجد عنوانا مفهوما لك في هذا الكتاب، وحسبك أن تعلم أنه وضع لإن وأخواتها هذا العنوان: «هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده، وهي من الفعل بمنزلة عشرين من الأسماء التي بمنزلة الفعل، ولا تصرف تصرف الأفعال، كما أن عشرين لا تصرف تصرف الأسماء التي أخذت من الفعل وكانت بمنزلته، ولكن يقال بمنزلة الأسماء التي أخذت من الأفعال وشبهت بها في هذا الموضع، فنصبت درهما لأنه ليس من نعتها، ولا هي مضافة إليه، ولم ترد أن تحمل الدرهم على ما حمل العشرون عليه، ولكنه واحد بين به العدد، فعملت فيه كعمل الضارب في زيد، إذا قلت: هذا ضارب زيدا؛ لأن زيدا ليس من صفة الضارب ولا محمولا على ما حمل عليه الضارب، وكذلك هذه الحروف منزلتها من الأفعال»، وبعد ذلك كله يقول: وهي إن ولكن وليت ولعل وكأن. ويضع عنوانا لباب كان وأخواتها قوله: «وهذا باب الفاعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد».
ويضع عنوانا للمفعول لأجله قوله: «هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه عذر».
ويدلنا على أن الاصطلاحات النحوية لم تكن قد استقرت أنه لم يضع لأسماء الإشارة أسماء، بل دعاها: الأسماء المبهمة، كما كان يدعو التسكين: جزما، فيقول: وجزمت لدنه، ويسمي المقصور: منقوصا، وغير ذلك كثير.
سابعا:
يذكر القاعدة وأمثلتها، ويمزج ذلك بالتعليلات المنطقية، وبيان وجه القياس فيما يذكره من القواعد، وعرض الآراء المختلفة في الموضوع الواحد.
ثامنا:
يفرض فروضا يضع لها أحكاما، فيقول مثلا (ص3 / 2): «ولو جاء في الكلام شيء نحو أكلل وأيقق فسميت به رجلا صرفته؛ لأنه لو كان أفعل لم يكن الحرف الأول إلا ساكنا مدغما.»
تاسعا:
لم تكن الأبواب قد تميز بعضها من بعض التميز الكافي، ويدلنا على ذلك باب التمييز وباب التعجب، مما لم تتحدد معالمه التحدد الواضح في كتاب سيبويه. (4) دراسة باب من أبواب الكتاب
ولعل من الخير أن ندرس بابا من أبواب الكتاب لنرى في صورة أوضح منهج الكتاب في التأليف، وطريقته في تناول مسائل النحو، ولنأخذ باب الحال لنرى الفرق بين تناول سيبويه له وتناول المحدثين.
لم يضع سيبويه عنوانا للحال ثم يذكر أحكامه المختلفة، كما نرى ذلك مثلا عندما نأخذ كتابا كالتوضيح، بل ذكر أحكام الحال موزعة في نواح شتى، وأول ما ذكر باب الحال في كتاب سيبويه كان بين أبواب المفعول، وعنون له سيبويه بقوله: «هذا باب ما يعمل، فينتصب وهو حال وقع فيه الفعل وليس بمفعول أوضح»، وفي هذا الفصل أوضح سيبويه لم لا يجوز أن يعرب الحال مفعولا، وبعد أبواب عدة تحدث فيها سيبويه عن كان وأخواتها، وظن وأخواتها، والتنازع، والاشتغال، وإعمال اسم الفاعل، والمصدر، والصفة المشبهة، والمفعول المطلق، وشيء من التمييز، والتحذير، والمفعول معه، وعاد إلى المفعول المطلق، عرض بين أبوابه بابين من أبواب الحال، عنون لأحدهما بقوله: «هذا باب ما ينتصب من الأسماء انتصاب الفعل استفهمت أو لم تستفهم.» وذكر تحت هذا العنوان حكم الحال عندما يكون عامله محذوفا، وذلك مثل قولك: أقائما وقد قعد الناس. وقدر سيبويه أن العامل فيه فعل من لفظه، كأنه يقول: أتقوم قائما. قال السيرافي: وأنكره بعض الناس؛ لأن لفظ الفعل لا يكاد يعمل في اسم الفاعل الذي من لفظه. قال المبرد: والقول عندي ما قاله سيبويه؛ لأنه قد تكون الحال توكيدا كما يكون المصدر توكيدا. وعنون للباب الثاني بقوله: «وهذا باب ما جرى من الأسماء التي تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل»، وذكر في هذا الباب ما يكون عامل الحال فيه محذوفا وليس من لفظه، وذلك مثل قولك: أتميميا مرة وقيسيا أخرى؛ أي أتدعي أو أتتحول، وإنما ذكر هذين البابين بين أبواب المفعول المطلق لمشابهتهما له في أن عامله أحيانا يكون محذوفا، كقول جرير: «ألؤما لا أبا لك واغترابا»؛ أي أتلؤم لؤما وتغترب اغترابا، ثم عاد بعد ذلك إلى المفعول المطلق في أبواب كثيرة، وانتقل إلى المفعول لأجله، ثم عاد إلى باب الحال، فذكر في أبواب شتى المصادر التي تعرب حالا، سواء أكانت نكرة أم معرفة، والأسماء التي تعرب كالمصادر أحوالا مع أنها معرفة. وذكر هذه الفصول من الحال في هذا الموضع؛ لأن الحال مصدر أو كالمصدر. وبعد أن ذكر بابا آخر في المفعول المطلق عقد بابا فيه مسائل مشتركة بين الحال والمفعول، ثم عاد بعد فصل آخر ليس من باب الحال إلى ذكر أبواب للحال التي تقع جامدة، مما يدل على مفاعلة، ككلمته فاه إلى في، أو سعر، والحال التي تقع معرفة، ثم انتقل إلى ظرف الزمان والمكان، وباب الجر، وباب النعت، والعطف، والبدل، ثم عاد إلى باب الحال عندما يكون العامل فيه الابتداء، مثل قولك: ما شأنك قائما، وترك ذلك إلى النعت المقطوع وأطال فيه، ثم عاد إلى باب الحال، فذكر فصلا عندما يكون صاحبها خبرا لاسم إشارة أو ضمير، وفصلا آخر عندما يكون صاحبها معرفة ونكرة، مثل قولك: هذان رجلان وعبد الله منطلقين، وبابا لما يصح أن يعرب حالا أو خبرا، مثل: هذا الرجل منطلق أو منطلقا. وبابا لما يعرب حالا، وكان في الأصل خبرا مثل: فيها عبد الله قائما. ثم ذكر شيئا من باب المعرفة والنكرة، وعاد إلى أبواب أخرى من أبواب الحال، هذا إلى مسائل متناثرة منه هنا وهناك تذكر في أبواب أخرى لمناسبة بينها وبين هذه الأبواب.