تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان شوقي قد نفى عن ملوك مصر القدماء تهمة التسخير، فقد نفاها قبله إسماعيل صبري، كما سبق أن رأينا.

غير أن شوقي قد سلم مرة بأن تلك الآثار قد شادها الظلم، ولكنه ظلم في سبيل إشادة المجد، وبناء آثار تنبئ عن عظمة الإنسان، حتى إن الظلم ليشرق وجهه فخرا عندما تعد تلك الآثار من صنع يديه:

هي من بناء الظلم إلا أنه

يبيض وجه الظلم منه ويشرق

لم يرهق الأمم الملوك بمثلها

فخرا لهم يبقى، وذكرا يعبق

53

وأعجب شوقي كغيره من الشعراء بالأهرام، ويرى عليها من الجلال ما لم يره على السهول والجبال، ولها من الروعة القدسية ما للمعابد، ويحس بأن لها روحانية. وهذا إحساس انفرد بتصويره شوقي، كما أنه يرى أنها قد استقرت قواعدها فوق الثرى بما أوتيه المصريون من عقل راجح وذكاء، وأنها ارتفعت إلى عنان السماء بفضل ما أوتوه من خلق رفيع هو بلا شك خلق الثبات والمثابرة والطموح؛ وذلك إذ يقول:

قل للأعاجيب الثلاث مقالة

من هاتف بمكانهن وشاد

لله أنت! فما رأيت على الثرى

هذا الجلال، ولا على الأوتاد

54

لك كالمعابد روعة قدسية

وعليك روحانية العباد

55

أسست من أحلامهم بقواعد

ورفعت من أخلاقهم بعماد

56

وهذا الشعور بروحانية الأهرام وقدسيتها رأيناه يظهر مرة أخرى عندما وقف عند قبر نابليون، فناجاه بقوله:

قم إلى الأهرام واخشع واطرح

خيلة الصيد

57

وزهو الفاتحين

وتمهل، إنما تمشي إلى

حرم الدهر، ومحراب القرون

هو كالصخرة عند القبط، أو

كالحطيم الطهر عند المسلمين

58

ويرى الأهرام توحي إلى الأجيال بمعنى الثبات والجد والكفاح، وتلك المعاني هي التي استوحاها نابليون في معركته ضد المماليك؛ ولذلك قال شوقي وهو يحيي الطيارين الفرنسيين، معيدا إلى أذهانهم تلك الذكرى، وكيف جرح نابليون عزة الأهرام، وجزته على ذلك بهزيمته في الحرب وأسره وموته في المنفى، فلما عاد إلى وطنه ليدفن فيه كان جريحا في عزته ومجده. لقد استوحى نابليون الأهرام عندما وقف على الهرم يشجع جنده: «أيها الجنود، إن أربعين قرنا تنظر إليكم من قمة الأهرام.» ويسجل شوقي ذلك في قوله:

أين «نسر» قد تلقى قبلكم

عظة الأجيال من أعلى بناء

جرح الأهرام في عزتها

فمشى للقبر مجروح الإباء

أخذت تاجا بتاج ثأرها

وجزت من صلف بالكبرياء

59

ويناجي نابليون قائلا:

وتسنم منبرا من حجر

لم يكن قبلك حظ الخاطبين

وأعدها كلمات أربعا

قد أحاطت بالقرون الأربعين

ألهبت خيلا، وحضت فيلقا

وأحالت عسلا صاب المنون

60

وإذا كان نابليون قد تلقى عظة الأهرام، ووعى الدرس الذي أوحت به إليه، فإنه يثور ثورة عنيفة على المصريين الذين لم يعوا هذا الدرس ولم يصغوا إليه. وتحس بهذه الثورة في قوله:

عظة قومي بها أولى، وإن

بعد العهد، فهل يعتبرون؟

هذه الأهرام تاريخهمو

كيف من تاريخهم لا يستحون؟

ولم تغب صورة الأهرام عن مخيلته وهو في مغتربه بالأندلس، فنسمعه يقول في قصديته السينية:

وكأن الأهرام ميزان فرعو

ن بيوم على الجبابر نحس

أو قناطيره تأنق فيها

ألف جاب، وألف صاحب مكس

61

روعة في الضحى، ملاعب جن

حين يغشى الدجى حماها ويغسي

62

وتخيل الأهرام موازين يشير إلى ضخامة ما يوزن بها من فدية الأعداء، وتخيلها قناطير يشير إلى ضخامة الثروة التي كانت لفراعنة مصر. وهو في منفاه يتخيل روعتها في الضحا، وما يكسوها من الرهبة إذا جن الليل، حتى كأنها ملعب للجن. وفي التعبير بروعة في الضحا تصوير لما يحمله لهذه الأهرام من الإعجاب.

ويقول في القصيدة النونية الأندلسية أيضا:

ولم يضع حجرا بان على حجر

في الأرض إلا على آثار بانينا

كأن أهرام مصر حائط نهضت

به يد الدهر لا بنيان فانينا

إيوانه الفخم من عليا مقاصره

يفني الملوك، ولا يبقي الأواوينا

63

كأنها ورمالا حولها التطمت

سفينة غرقت إلا أساطينا

64

كأنها تحت لألاء الضحا ذهب

كنوز «فرعون» غطين الموازينا

الآثار المصرية في الأدب العربي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الآثار المصرية في الأدب العربيص ٩