ويذكرنا قول إسماعيل صبري بأن الأهرام كأنما بناها شياطين لشيطان بقول البحتري في وصف إيوان كسرى مبديا أقصى ما يمكن من الإعجاب به:
ليس يدرى أصنع إنس لجن
سكنوه، أم صنع جن لإنس
لأن كلمة الشيطان، ولا سيما في عصرنا الحاضر، وكلمة الجن توحيان بالأعمال الخارقة للعادة.
ويصور الشاعر الجموع التي تفد لزيارتها، فيجدون كل موجود ضخم صغيرا بالنسبة إليها، حقيرا إذا وزن بها، ويعودون معترفين بفضل المصريين، مقرين بما لهم من فضل وإحسان، فيقول:
جاءت إليها وفود الأرض قاطبة
تسعى اشتياقا إلى ما خلد الفاني
فصغرت كل موجود ضخامتها
وغض بنيانها من كل بنيان
وعاد منكر فضل القوم معترفا
يثني على القوم في سر وإعلان
46
وقصيدة إسماعيل صبري تشترك مع قصيدة البارودي في تمجيد الأهرام والإشادة ببناتها، وتنفرد عنها بالدعوة الملحة إلى التعب والجهاد لكي يصبح الأبناء جديرين بآبائهم الأمجاد.
ويتخذ السيد محمد توفيق البكري الهرمين شاهدين على عظمة المصريين شهادة لا يمكن إنكارها؛ إذ يقول:
ملك محيط الأرض يص
غر عن مداه ويكبر
في كل صرح مخبر
وبكل سفح منظر
هرمان فيه كشاهدي
ن شهادة لا تنكر
47
ونظر الشعر إلى الأهرام والآثار المصرية بعامة نظرة جديدة بعد إسماعيل صبري؛ تلك هي نظرة الفخر بها؛ لأنها من صنع أيدي آبائنا وأجدادنا. وكانت هذه النظرة طبيعية لشعراء وجدوا في عصر يريدون أن يكون من رسالة شعرهم أن يقوي الروح المعنوية في نفوس أبناء وطنهم، وكان فارس مجال هذه الحلبة أحمد شوقي، الذي بز جميع الشعراء في تمجيد الآثار المصرية والفخر بها؛ فهو في قصيدته كبار الحوادث في وادي النيل يقول:
وبنينا فلم نخل لبان
وعلونا، فلم يجزنا علاء
وملكنا، فالمالكون عبيد
والبرايا بأسرهم أسراء
قل لبان بنى فشاد، فغالى:
لم يجز مصر في الزمان بناء
ليس في الممكنات أن تنقل الأج
بال شما،
48
وأن تنال السماء
أجفل
49
الجن عن عزائم فرعو
ن، ودانت لبأسها الآناء
شاد ما لم يشد زمان ولا أن
شأ عصر، ولا بنى بناء
هيكل تنثر الديانات فيه
فهي والناس والقرون هباء
وقبور تحط فيها الليالي
ويوارى الإصباح والإمساء
تشفق الشمس والكواكب منها
والجديدان
50
والبلى والفناء
فاعذر الحاسدين فيها إذا لا
موا؛ فصعب على الحسود الثناء
زعموا أنها دعائم شيدت
بيد البغي ملؤها ظلماء
دمر الناس والرعية في تش
ييدها والخلائق الأسراء
أين كان القضاء والعدل والحك
مة والرأي والنهى والذكاء
وبنو الشمس من أعزة مصر
والعلوم التي بها يستضاء
فادعوا ما ادعى أصاغر آثي
نا، ودعواهم خنا
51
وافتراء
ورأوا للذين سادوا وشادوا
سبة أن تسخر الأعداء
إن يكن غير ما أتوه فخار
فأنا منك يا فخار براء
52
ولم تظفر الآثار المصرية من قبل بمثل هذا الدفاع المدعم بالحجة، ورفع الفراعنة عن أن يكونوا قد شادوا هذا المجد بيد الظلم وتسخير الرعية، وتحس في هذه الأبيات بروح الاعتزاز بتلك الآثار، وبتاريخ الآباء الذين حكموا وسادوا.
وشوقي يرى الأهرام جبالا نقلها الإنسان، وليس من الممكن نقل الجبال العالية، ولا بلوغ أعنان السماء، ويرى عزائم فرعون أشد بأسا من الجن؛ فقد شاد ما لم يستطع أن يشيده أحد في هذا الوجود. أما الهياكل التي أنشأتها مصر، فإنها خالدة في حين تفنى الديانات والناس والقرون، وأما القبور فإن الليالي تتكدس فيها، ويخشاها الليل والنهار، والبلى والفناء.
ذلك مجد باذخ أثار حساد مصر، فأرادوا أن يقللوا من شأنه، فزعموا أنها بنيت بيد الظلم، ويستبعد شوقي ذلك الزعم بما كان في مصر من قضاء عادل، وما كان لبنيها من حكمة وذكاء، وما أشرق فيها من علم ناضج، وما في أبنائها من عزة. وليس معيبا أن يقوم الأسرى بالعمل في إقامة هذه الآثار.
ويختم شوقي هذه الأبيات ببيت حماسي يتبرأ فيه من الفخر، إن كان الفخار غير ما أتى به هؤلاء الفراعنة.